وأقول : لاشك أن بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود وأشار إليه القرآن في قوله ( يعملون له ما يشاء من محاريب ) الآية فالظاهر أن إبراهيم لما مر ببلاد الشام ووعده الله أن يورث تلك الأرض نسله عين الله له الموضع الذي سيكون به أكبر مسجد تبنيه ذريته فأقام هنالك مسجدا صغيرا شكرا لله تعالى وجعله على الصخرة المجعولة مذبحا للقربان . وهي الصخرة التي بنى سليمان عليها المسجد فلما كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه وهذا من العلم لذي أهملته كتب اليهود وقد ثبت في سفر التكوين إن إبراهيم بنى مذابح في جهات مر عليها من أرض الكنعانيين لأن الله أخبره أنه يعطي تلك الأرض لنسله فالظاهر أنه بنى أيضا بموضع مسجد أرشليم مذبحا .
و ( مباركا ) اسم مفعول من بارك الشيء إذا جعل له بركة وهي زيادة في الخير . أي جعلت البركة فيه بجعل الله تعالى إذ قدر أن يكون داخله مثابا ومحصلا على خير يبلغه على مبلغ نيته وقدر لمجاوريه وسكان بلده أن يكونوا ببركة زيادة الثواب ورفاهية الحال وأمر بجعل داخله آمنا وقدر ذلك بين الناس فكان ذلك كله بركة . وسيأتي معنى البركة عند قوله تعالى ( وهذا كتاب أنزلناه مباركا مصدق الذي بين يديه في " سورة الأنعام " .
ووصفه بالمصدر في قوله ( وهدى ) مبالغة لأنه سبب هدى .
وجعل هدى للعالمين كلهم : لان شهرته وتسامع الناس به يحملهم على التساؤل عن سبب وضعه وأنه لتوحيد الله وتطهير النفوس من خبث الشرك فيتهدي بذلك المهتدي ويرعوي المتشكك .
ومن بركة ذاته أن حجارته وضعتها عند بنائه يد إبراهيم ويد إسماعيل ثم يد محمد " A " ولاسيما الحجر الأسود . وانتصب ( مباركا وهدى ) على الحال من الخبر وهو اسم الموصول .
وجملة ( فيه آيات بينات ) استئناف ثناء على هذا البيت بما حف به من المناقب والمزايا فغير الأسلوب للاهتمام ولذلك لم تجعل الجملة حالا فتعطف على الحالين قبلها لان مباركا وهدى وصفان ذاتيان له وحالان مقارنان والآيات عوارض عرضت في أوقات متفاوتة أو هي حال ثالثة ولم تعطف بالواو لأنها جميلة وما قبلها مفردان ولئلا يتوهم أن الواو فيها واو الحال فتكون في صورتها جارية على غير صورة الأفصح في مثلها من عدم الاقتران بالواو على ما حققه الشيخ عبدالقاهر فلو قرنت بواو العطف لالتبست بواو الحال فكرهت في السمع فيكون هذا من القطع لدفع اللبس أو نقول هي حال ولم تعطف على الأحوال الأخرى لأنها جملة فاستغنت بالضمير عن رابط العطف .
ووصف الآيات ببينات لظهورها في علم المخاطبين . وجماع هذه الآيات هي ما يسره الله لسكان الحرم وزائريه من طرق الخير وما دفع عنهم من الأضرار على حالة اتفق عليها سائر العرب وقمعوا بها أنفسهم وشهواتهم مع تكالبهم على إرضاء نفوسهم . وأعظمها الأمن الذي وطن عليه نفوس جميع العرب في الجاهلية مع عدم تدينهم فكان الرجل يلاقي قاتل أبيه في الحرم فلا يناله بسوء وتواضع مثل هذا بين مختلف القبائل ذات اختلاف الأنساب والعوائد والاديان آية على أن الله تعالى وقر ذلك في نفوسهم . وكذلك تأمين وحشه مع افتتان العرب بحب الصيد . ومنها ما شاع بين العرب من قصم كل من رامه بسوء وما انصراف الأحباش عنه بعد امتلاكهم جميع اليمن وتهامة الا آية من آيات الله فيه . ومنها انبثاق الماء فيه لإسماعيل حين إشرافه على الهلاك . وافتداء الله تعالى إياه بذبح عظيم حين أراد أبوه إبراهيم " عليه السلام " قربانه . ومنها ما شاع بين العرب وتوارثوا خره أبا عن جد من نزول الحجر الأسود من السماء على أبي قبيس بمرأى إبراهيم ولعله حجر كوكبي . ومنها تيسير الرزق لساكنيه مع قحولة أرضه وملوحة مائه .
A E