ووقع في حديث أبي رافع اليهودي أن محمد بن مسلمة قال لأبي رافع ( نرهنك السلاح واللامة ) .
A E وجملة ( أولئك لهم عذاب أليم ) فذلكة للمراد من قوله ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ) الآيتين .
وقوله ( وما لهم من ناصرين ) تكميل لنفي أحوال الغناء عنهم وذلك أن المأخوذ بشيء قد يعطي فدية من مال وقد يكفله من يوثق بكفالتهم أو يشفع له من هو مسموع الكلمة وكل من الكفيل والشفيع ناصر .
( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم [ 92 ] ) استئناف وقع معترضا بين جملة ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) الآية وبين جملة ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) .
وافتتاح الكلام ببيان بعض وسائل البر إيذان بأن شرائع الإسلام تدور على محور البر وأن البر معنى نفساني عظيم لا يخرم حقيقته إلا ما يفضي إلى نقض أصل من أصول الاستقامة النفسانية فالمقصود من هذه الآية أمران : أولهما التحريض على الإنفاق والتنويه بأنه من البر وثانيهما التنويه بالبر الذي الإنفاق خصلة من خصاله .
ومناسبة موقع هذه الآية تلو سابقتها أن الآية السابقة لما بينت أن الذين كفروا لن يقبل من أحدهم أعظم ما ينفقه بينت هذه الآية ما ينفع أهل الإيمان من بذل المال وأنه يبلغ بصاحبه مرتبة البر فبين الطرفين مراتب كثيرة قد علمها الفطناء من هذه المقابلة . والخطاب للمؤمنين لأنهم المقصود من كل خطاب لم يتقدم قبله ما يعين المقصود منه .
والبر كمال الخير وشموله في نوعه : إذ الخير قد يعظم بالكيفية وبالكمية وبهما معا فبذل النفس في نصر الدين يعظم بالكيفية في ملاقاة العدو الكثير بالعدد القليل وكذلك إنقاذ الغريق في حالة هول البحر ولا يتصور في ذلك تعدد وإطعام الجائع يعظم بالتعدد والإنفاق يعظم بالأمرين جميعا والجزاء على فعل الخير إذا بلغ كمال الجزاء وشموله كان برا أيضا .
وروى النواس بن سمعان عن النبي A أنه قال " البر حسن الخلق والإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس " رواه مسلم .
ومقابلة البر بالإثم تدل على أن البر ضد الإثم . وتقدم عند قوله تعالى ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) .
وقد جعل الإنفاق من نفس المال المحب غاية لانتفاء نوال البر ومقتضى الغاية أن نوال البر لا يحصل بدونها وهو مشعر بأن قبل الإنفاق مسافات معنوية في الطريق الموصلة إلى البر وتلك هي خصال البر كلها بقيت غير مسلوكة وإن البر لا يحصل إلا بنهايتها وهو الإنفاق من المحبوب فظهر ل ( حتى ) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها : لأنه لو قيل إلا أن تنفقوا مما تحبون لتوهم السامع أن الإنفاق من المحب وحده يوجب نوال البر وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات التي أشعرت بها ( حتى ) الغائية .
و ( تنالوا ) مشتق من النوال وهو التحصيل على الشيء المعطى .
والتعريف في البر تعريف الجنس : لأن هذا الجنس مركب من أفعال كثيرة منها الإنفاق المخصوص فبدونه لا تتحقق هذه الحقيقة .
والإنفاق : إعطاء المال والقوت والكسوة .
وما صدق ( ما ) في قوله ( مما تحبون ) المال : أي المال النفيس العزيز على النفس وسوغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال ف ( من ) للتبعيض لا غير ومن جوز أن تكون ( من ) للتبيين فقد سها لأن التبيينية لا بد أن تسبق بلفظ مبهم .
والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدقين ورغباتهم وسعة ثرواتهم والإنفاق منه أي التصدق دليل على سخاء لوجه الله تعالى وفي ذلك تزكية للنفس من بقية ما فيها من الشح قال تعالى ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) وفي ذلك صلاح عظيم للأمة إذ تجود أغنياؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتد بذلك أواصر الأخوة ويهنأ عيش الجميع .
A E