والتلاوة : قراءة المكتوب أو استعراض المحفوظ فهي مشعرة بإبلاغ كلام من غير المبلغ . وقد تقدمت عند قوله تعالى ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ) في سورة البقرة وعند قوله ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) في سورة الأنفال .
و ( أدراكم ) عرفكم . وفعل الدراية إذا تعلق بذات يتعدى إليها بنفسه تارة وبالباء أيضا يقال : دريته ودريت به . وقد جاء في هذه الآية على الاستعمال الثاني وهو الأكثر في حكاية سيبويه .
قرأ الجمهور ( ولا أدراكم به ) بحرف النفي عطفا على ( ما تلوته عليكم ) أي لو شاء الله ما أمرني بتلاوة القرآن عليكم ولا أعلمكم الله به . وقرأه البزي عن ابن كثير في إحدى روايتين عنه بلام ابتداء في موضع لا النافية أي بدون ألف بعد اللام فتكون عطفا على جواب ( لو ) فتكون اللام لاما زائدة للتوكيد كشأنها في جواب ( لو ) . والمعنى عليه : لو شاء الله ما تلوته عليكم ولو شاء لجعلكم تدرون معانيه فلا تكذبوا .
وتفريع جملة ( فقد لبثت فيكم ) تفريع دليل الجملة الشرطية وملازمتها لطرفيها .
والعمر : الحياة . اشتق من العمران لأن مدة الحياة يعمر بها الحي العالم الدنيوي . ويطلق العمر على المدة الطويلة التي لو عاش المرء مقدارها لكان قد أخذ حظه من البقاء . وهذا هو المراد هنا بدليل تنكير ( عمرا ) وليس المراد لبثت مدة عمري لأن عمره لم ينته بل المراد مدة قدرها قدر عمر متعارف أي بقدر مدة عمر أحد من الناس . والمعنى لبثت فيكم أربعين سنة قبل نزول القرآن .
وانتصب ( عمرا ) على النيابة عن ظرف الزمان لأنه أريد به مقدار من الزمان .
واللبث : الإقامة في المكان مدة . وتقدم في قوله تعالى ( قال كم لبثت ) في سورة البقرة .
والظرفية في قوله ( فيكم ) على معنى في جماعتكم أي بينكم .
و " قبل " و " بعد " إذا أضيفا للذوات كان المراد بعض أحوال الذات مما يدل عليه المقام أي من قبل نزوله . وضمير ( قبله ) عائد إلى القرآن .
وتفريع جملة ( أفلا تعقلون ) على جملة الشرط وما تفرع عليها تفريع للإنكار والتعجب على نهوض الدليل عليهم إذ قد ظهر من حالهم ما يجعلهم كمن لا يعقل . ولذلك اختير لفظ ( تعقلون ) لأن العقل هو أول درجات الإدراك . ومفعول ( تعقلون ) إما محذوف لدلالة الكلام السابق عليه . والتقدير أفلا تعقلون أن مثل هذا الحال من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه لا يكون إلا حال من أفاض الله عليه رسالته إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحد ولا يتأتى ما يقاربه إلا بعد مدارسة العلماء ومطالعة الكتب السالفة ومناظرة العلماء ومحاورة أهل البلاغة من الخطباء والشعراء زمنا طويلا وعمرا مديدا فكيف تأتى ما هو أعظم من ذلك المعتاد دفعة لمن قضى عمره بينهم في بلاده يرقبون أحواله صباح مساء وما عرف بلدهم بمزاولة العلوم ولا كان فيهم من أهل الكتاب إلا من عكف على العبادة وانقطع عن معاشرة الناس .
وإما أن ينزل ( تعقلون ) منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول أي أفلا تكونون عاقلين أي فتعرفوا أن مثل هذا الحال لا يكون إلا من وحي الله .
( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ) A E لما قامت الحجة عليها بما لا قبل لهم بالتنصل منه أعقبت بالتفريع على افترائهم الكذب وذلك مما عرف من أحوالهم من اتخاذهم الشركاء له كما أشار إليه قوله ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ) أي أشركوا إلى قوله ( لننظر كيف تعملون ) وتكذيبهم بآيات الله في قولهم ( ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) . وفي ذلك أيضا توجيه الكلام بصلاحيته لأن يكون إنصافا بينه وبينهم إذ هم قد عرضوا بنسبته إلى الافتراء على الله حين قالوا ( ائت بقرآن غير هذا ) وصرحوا بنفي أن يكون القرآن من عند الله فلما أقام الحجة عليهم بأن ذلك من عند الله وأنه ما يكون له أن يأتي به من تلقاء نفسه فرع عليه أن المفتري على الله كذبا والمكذبين بآياته كلاهما أظلم الناس لا أحد أظلم منهما وذلك من مجاراة الخصم ليعثر يخيل إليه من الكلام أنه إنصاف بينهما فإذا حصحص المعنى وجد انصبابه على الخصم وحده .
والتفريع صالح للمعنيين وهو تفريع على ما تقدم قبله مما تضمن أنهم أشركوا بالله وكذبوا بالقرآن
