والإتيان في صدرها باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز لأنهم امتروا في صفة الإلهية وضلوا فيها ضلالا مبينا فكانوا أحرياء بالإيقاظ بطريق اسم الإشارة وللتنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيذكر بعد اسم الإشارة من حيث إنه اتصف بتلك الأوصاف التي أشير إليه من أجلها فإن خالق العوالم بغاية الإتقان والمقدرة ومالك أمرها ومدبر شؤونها والمتصرف المطلق مستحق للعبادة نظير الإشارة في قوله ( أولئك على هدى من ربهم ) بعد قوله ( للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) إلى قوله ( هم يوقنون ) .
وفرع على كونه ربهم أن أمروا بعبادته والمفرع هو المقصود من الجملة وما قبله مؤكد لجملة ( إن ربكم الله ) تأكيدا بفذلكة وتحصيل . والتقدير : إن ربكم الله إلى قوله ( فاعبدوه ) كقوله ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) إذ وقع قوله ( فبذلك ) تأكيدا لجملة ( بفضل الله وبرحمته ) . وأوقع بعده الفرع وهو ( فليفرحوا ) . والتقدير : قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك .
والمقصود من العبادة العبادة الحق التي لا يشرك معه فيها غيره بقرينة تفريع الأمر بها على الصفات المنفرد بها الله دون معبوداتهم .
وجملة ( أفلا تذكرون ) ابتدائية للتقريع . وهو غرض جديد فلذلك لم تعطف فالاستفهام إنكار لانتفاء تذكرهم إذ أشركوا معه غيره ولم يتذكروا في أنه المنفرد بخلق العوالم وبملكها وبتدبير أحوالها .
A E والتذكر : التأمل . وهو بهذه الصيغة لا يطلق إلا على ذكر العقل لمعقولاته أي حركته في معلوماته فهو قريب من التفكر ؛ إلا أن التذكر لما كان مشتقا من مادة الذكر التي هي في الأصل جريان اللفظ على اللسان والتي يعبر بها أيضا عن خطور المعلوم في الذهن بعد سهوه وغيبته عنه كان مشعرا بأنه حركة الذهن في معلومات متقررة فيه من قبل .
فلذلك أوثر هنا دون ( لعلكم تتفكرون ) للإشارة إلى أن الاستدلال على وحدانية الله تعالى قد تقرر في النفوس بالفطرة وبما تقدم لهم من الدعوة والأدلة فيكفى في الاستدلال مجرد إخطار هذه الأدلة في البال .
( إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) وقع أمرهم بعبادته عقب ذكر الجزاء إنذارا وتبشيرا فالجملة كالدليل على وجوب عبادته وهي بمنزلة النتيجة الناشئة عن إثبات خلقه السماوات والأرض لأن الذي خلق مثل تلك العوالم من غير سابق وجود لا يعجزه أن يعيد بعض الموجودات الكائنة في تلك العوالم خلقا ثانيا . ومما يشير إلى هذا قوله ( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) فبدء الخلق هو ما سبق ذكره وإعادته هي ما أفاده قوله ( إليه مرجعكم جميعا ) ولذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من شبه كمال الاتصال على أنها يجوز كونها خبرا آخر عن قوله ( إن ربكم ) أو عن قوله ( ذلكم الله ربكم ) وقد تضمنت هذه الجملة إثبات الحشر الذي أنكروه وكذبوا النبي A لأجله .
وفي تقديم المجرور في قوله ( إليه مرجعكم ) إفادة القصر أي لا إلى غيره قطع لمطامع بعضهم القائلين في إلهتهم ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) يريدون أنهم شفعاء على تسليم وقوع البعث للجزاء فإذا كان الرجوع إليه لا إلى غيره كان حقيقا بالعبادة وكانت عبادة غيره باطلا .
والمرجع : مصدر ميمي بمعنى الرجوع . وقد تقدم في قوله ( إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) في سورة العقود .
و ( جميعا ) حال من ضمير المخاطبين المضاف إليه المصدر العامل فيه .
وانتصب ( وعد الله ) على المفعولية المطلقة توكيدا لمضمون الجملة المساوية له ويسمى مؤكدا لنفسه في اصطلاح النحاة لأن مضمون ( إليه مرجعكم ) الوعد بإرجاعهم إليه وهو مفاد وعد الله ويقدر له عامل محذوف لأن الجملة المؤكدة لا تصلح للعمل فيه . والتقدير : وعدكم الله وعدا حقا .
وانتصب ( حقا ) على المفعولية المطلقة المؤكدة لمضمون جملة ( وعد الله ) باعتبار الفعل المحذوف . ويسمى في اصطلاح النحاة مؤكدا لغيره أي مؤكدا لأحد معنيين تحتملهما الجملة المؤكدة