والعجب : مصدر عجب إذا عد الشيء خارجا عن المألوف ناد الحصول . ولما كان التعجب مبدأ للتكذيب وهم قد كذبوا بالوحي إليه ولم يقتصروا على كونه عجيبا جاء الإنكار عليهم بإنكار تعجبهم من الإيحاء إلى رجل من البشر لأن إنكار التعجب من ذلك يؤول إلى إنكار التكذيب بالأولى ويقلع التكذيب من عروقه .
ويجوز أن يكون العجب كناية عن إحالة الوقوع كما في قوله تعالى ( قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله ) في سورة هود وقوله ( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ) في سورة الأعراف . وكانت حكاية تعجبهم بإدماج ما يفيد الرد عليهم بأن الوحي كان إلى رجل من الناس وذلك شأن الرسالات كلها كما قال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم وقال ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وقال قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) .
وأطلق ( الناس ) على طائفة من البشر والمراد المشركون من أهل مكة لأنهم المقصود من هذا الكلام . وهذا الإطلاق مثل ما في قوله ( إن الناس قد جمعوا لكم ) . وعن ابن عباس أنكرت طائفة من العرب رسالة محمد A فقالوا : الله أعظم من أن يكون له رسول بشرا فأنزل الله تعالى ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ) .
و ( أن ) في قوله ( أن أنذر الناس ) تفسيرية لفعل ( أوحينا ) لأن الوحي فيه معنى القول .
A E و ( الناس ) الثاني يعم جميع البشر الذين يمكن إنذارهم فهو عموم عرفي . ولكون المراد ب ( الناس ) ثانيا غير المراد به أول ذكر بلفظه الظاهر دون أن يقال : أن أنذرهم .
ولما عطف على الأمر بالإنذار الأمر بالتبشير للذين آمنوا بقي ( الناس ) المتعلق بهم الإنذار مخصوصا بغير المؤمنين .
وحذف المنذر به للتهويل ولأنه يعلم حاصله من مقابلته بقوله ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ) وفعل التبشير يتعدى بالباء فالتقدير : وبشر الذين آمنوا بأن لهم قدم صدق فحذف حرف الجر مع ( أن ) جريا على الغالب .
والقدم : اسم لما تقدم وسلف فيكون في الخير والفضل وفي ضده . قال ذو الرمة : .
لكم قدم لا ينكر الناس إلها ... مع الحسب العادي طمت على البحر وذكر المازري في المعلم عن ابن الإعرابي : أن القدم لا يعبر به إلا عن معنى المقدم لكن في الشرف والجلالة . وهو فعل بمعنى فاعل مثل سلف وثقل . قال ابن عطية : ومن هذه اللفظة قول النبي A في صفة جهنم حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط يشير إلى حديث أنس بن مالك قال نبي الله A : ما تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة " وفي رواية الجبار " فيها قدمه فتقول قط قط وعزتك . ويروى بعضها إلى بعض . وهذا أحد تأويلين لمعنى " قدمه " . وأصل ذلك في المعلم على صحيح مسلم للمازري وعزاه إلى النضر بن شميل .
والمراد ب ( قدم صدق ) في الآية قدم خير وإضافة ( قدم ) إلى ( صدق ) من إضافة الموصوف إلى الصفة . وأصله قدم صدق أي صادق وهو وصف بالمصدر : فعلى قول الجمهور يكون وصف ( صدق ) ل ( قدم ) وصفا مقيدا . وعلى قول ابن الإعرابي يكون وصفا كاشفا .
والصدق : موافقة الشيء لاعتقاد المعتقد واشتهر في مطابقة الخبر . ويضاف شيء إلى ( صدق ) بمعنى مصادفته للمأمول منه المرضي وأنه لا يخيب ظن آمل كقوله ( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) وقوله ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) .
وقوله ( أن أنذر الناس ) تفسير لفعل ( أوحينا ) . وإنما اقتصر على ذكر هذا الموحى به لأن ذلك هو الذي حملهم على التكذيب إذ صادف صرفهم عن ضلاله دينهم وسمعوا منه تفضيل المؤمنين عليهم . وأيضا في ذكر المفسر إدماج لبشارة المؤمنين بهذه المزية .
( قال الكافرون إن هذا لسحر مبين ) هذه الجملة بدل اشتمال من جملة ( أكان للناس عجبا ) الخ . ووجه هذا الإبدال أن قولهم هذا ينبئ عن بلوغ التعجب من دعوى الوحي والرسالة من نفوسهم مزيد الإحالة والتكذيب حتى صاروا إلى القول ( إن هذا لسحر مبين ) أو ( إن هذا لساحر مبين ) فاسم الإشارة راجع إلى ما تضمنته جملة ( أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا )
