وانتقل من ذلك إلى إثبات انفراد الله تعالى بالإلهية بدلالة أنه خالق العالم ومدبره فأفضى ذلك إلى إبطال أن يكون لله شركاء في إلهيته وإلى إبطال معاذير المشركين بأن أصنامهم شفعاء عند الله .
وأتبع ذلك بإثبات الحشر والجزاء . فذلك إبطال أصول الشرك .
وتخلل ذلك بذكر دلائل من المخلوقات وبيان حكمة الجزاء وصفة الجزاء وما في دلائل المخلوقات من حكم ومنافع للناس .
ووعيد منكري البعث المعرضين عن آيات الله وبضد أولئك وعد الذين آمنوا . فكان معظم هذه السورة يدور حول محور تقرير هذه الأصول .
فمن ذلك التنبيه على أن إمهال الله تعالى الكافرين دون تعجيل العذاب هو حكمة منه .
ومن ذلك التذكير بما حل بأهل القرون الماضية لما أشركوا وكذبوا الرسل .
والاعتبار بما خلق الله للناس من مواهب القدرة على السير في البر والبحر وما في أحوال السير في البحر من الإلطاف .
وضرب المثل للدنيا وبهجتها وزوإلها وأن الآخرة هي دار السلام .
واختلاف أحوال المؤمنين والكافرين في الاخرة وتبرؤ الإلهة الباطلة من عبدتها .
وإبطال إلهية غير الله تعالى بدليل أنها لا تغني عن الناس شيئا في الدنيا ولا في الآخرة .
وإثبات أن القرآن منزل من الله وأن الدلائل على بطلان أن يكون مفترى واضحة .
وتحدي المشركين بأن يأتوا بسورة مثله ولكن الضلالة أعمت أبصار المعاندين .
A E وإنذار المشركين بعواقب ما حل بالأمم التي كذبت بالرسل وأنهم إن حل بهم العذاب لا ينفعهم إيمانهم وأن ذلك لم يلحق قوم يونس لمصادفة مبادرتهم بالإيمان قبل حلول العذاب .
وتوبيخ المشركين على ما حرموه مما أحل الله من الرزق .
وإثبات عموم العلم لله تعالى .
وتبشير أولياء الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة .
وتسلية الرسول عما يقوله الكافرون .
وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم .
ثم تخلص إلى الاعتبار بالرسل السابقين نوح ورسل من بعده ثم موسى وهارون .
ثم استشهد على صدق رسالة محمد A بشهادة أهل الكتاب .
وختمت السورة بتلقين الرسول E مما يعذر به لأهل الشك في دين الإسلام وأن اهتداء من اهتدى لنفسه وضلال من ضل عليها وأن الله سيحكم بينه وبين معانديه .
( ألر ) تقدم القول في الحروف الواقعة في فواتح بعض السور في أول سورة البقرة فهي بمنزلة الأعداد المسرودة لا محل لها من الاعراب ولا ينطق بها إلا على حال السكت وحال السكت يعامل معاملة الوقف فلذلك لا يمد اسم ما في الآية وإن كان هو في اللغة بهمزة في آخره لأنه بالسكت تحذف إلهمزة كما تحذف في الوقف لثقل السكوت على الهمزة في الوقف والسكت فبذلك تصير الكلمة على حرفين فلا تمد . ولذلك أجمع القراء على عدم مد الحروف : را . ها . يا . طا . حا . التي في أوائل السور وإن كانت تلك الأسماء ممدودة في استعمال اللغة .
( تلك آيات الكتب الحكيم ) اسم الإشارة يجوز أن يكون مرادا به جميع آي القرآن التي نزلت قبل هذه السورة باعتبار حضور تلك الآيات في أذهان الناس من المؤمنين وغيرهم فكأنها منظورة مشاهدة فصحت الإشارة إليها إذ هي متلوة محفوظة فمن شاء أن يسمعها ويتدبرها أمكنه ذلك ولأن الخوض في شأنها هو حديث الناس في نواديهم وأسمارهم وشغلهم وجدالهم فكانت بحيث تتبادر إلى الأذهان عند ورود الإشارة إليها .
واسم الإشارة يفسر المقصود منه خبره وهو ( آيات الكتاب الحكيم ) كما فسره في قوله تعالى ( فهذا يوم البعث وقوله تعالى قال هذا فراق بيني وبينك ) . قال في الكشاف : تصور فراقا بينهما سيقع قريبا فأشار إليه بهذا .
وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ) في سورة الأنعام . فالمقصود من الإشارة إما الحث على النظر في آيات القرآن ليتبين لهم أنه من عند الله ويعلموا صدق من جاءهم به . وإما إقناعهم من الآيات الدالة على صدق النبي A بآيات الكتاب الحكيم فإنهم يسألون النبي آية على صدقه كما دل عليه قوله في هذه السورة ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) فقيل لهم ( تلك آيات الكتاب الحكيم ) أي ما هو آية واحدة بل آيات كثيرة فإن الإعجاز حاصل بكل سورة منه
