( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان [ 12 ] ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب [ 13 ] ) ( إذ ) طرف متعلق بقوله ( فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) وجعل الخطاب هنا للنبي A تلطفا به إذ كانت هذه الآية في تفصيل عمل الملائكة يوم بدر وما خاطبهم الله به فكان توجيه الخطاب بذلك إلى النبي صلى اله عليه وسلم أولى لأنه أحق من يعلم مثل هذا العلم ويحصل العلم للمسلمين تبعا له وأن الذي يهم المسلمين من ذلك هو نصر الملائكة إياهم وقد حصل الإعلام بذلك من آية ( إذ تستغيثون ربكم ) ولأن النبي A كان أول من استغاث الله . ولذلك عرف الله هنا باسم الرب وإضافته إلى ضمير النبي A ليوافق أسلوب ( إذ تستغيثون ربكم ) ونما فيه من التنويه بقدر نبيه A إشارة إلى أنه فعل ذلك لطفا به ورفعا لشأنه .
والوحي إلى الملائكة المرسلين : إما بطريق إلقاء هذا الأمر في نفوسهم بتكوين خاص وإما بإبلاغهم ذلك بواسطة .
و ( أني معكم ) قيل هو في تأويل مصدر وذلك المصدر مفعول يوحي أي يوحي إليهم ثبوت معيته لهم فيكون المصدر منصوبا على المفعول به ليوحي بهذا التأويل وقيل على تقدير باء الجر .
وأنت على ذكر مما قدمناه قريبا في قوله تعالى ( أني ممدكم بألف من الملائكة ) من تحقيق أن تكون ( أن ) المفتوحة الهمزة المشددة النون مفيدة معنى ( أن ) التفسيرية إذا وقعت معمولة لما فيه معنى القول دون حروفه .
والمعية حقيقتها هنا مستحيلة فتحمل على اللائقة بالله تعالى أعني المعية المجازية فقد يكون معناها توجيه عنايته إليهم وتيسير العمل لهم وقد تكرر إطلاق ( مع ) بمثل هذا في القرآن كقوله ( وهو معكم أينما كنتم ) .
وإيحاء الله إلى الملائكة بهذا مقصود منه تشريفهم وتشريف العمل الذي سيكلفون به لأن المعية تؤذن إجمالا بوجود شيء يستدعي المصاحبة فكان قوله لهم ( أني معكم ) مقدمة للتكليف بعمل شريف ولذلك يذكر ما تتعلق به المعية لأنه سيعلم من بقية الكلام أي أني معكم في عملكم الذي أكلفكم به .
ومن هنا ظهر موقع فاء الترتيب في قوله ( فثبتوا الذين آمنوا ) من حيث ما دل عليه ( أني معكم ) من التهيئة لتلقي التكليف بعمل عظيم وإنما كان هذا العمل بهذه المثابة لأنه إبدال للحقائق الثابتة باقتلاعها ووضع أضدادها لأنه يجعل الجبن شجاعة والخوف إقداما والهلع ثباتا في جانب المؤمنين ويجعل العزة رعبا في قلوب المشركين ويقطع أعناقهم وأيديهم بدون سبب من أسباب القطع المعتادة فكانت الأعمال التي عهد للملائكة عملها خوارق عادات .
والتثبيت هنا مجاز في إزالة الاضطراب النفساني مما ينشأ عن الخوف ومن عدم استقرار الرأي واطمئنانه .
وعرف المثبتون بالموصول لما تومئ إليه صلة ( آمنوا ) من كون إيمانهم هو الباعث على هذه العناية فتكون الملائكة بعناية المؤمنين لأجل وصف الإيمان .
وتثبيت المؤمنين إيقاع ظن في نفوسهم بأنهم منصورون ويسمى ذلك إلهاما وتثبيتا لأنه إرشاد إلى ما يطابق الواقع وإزالة للاضطراب الشيطاني وإنما يكون خيرا إذا كان جاريا على ما يحبه الله تعالى بحيث لا يكون خاطرا كاذبا وإلا صار غرورا فتشجيع الخائف حيث يريد الله منه الشجاعة خاطر ملكي وتشجيعه حيث ينبغي أن يتوفى ويخاف خاطر شيطاني ووسوسة لأنه تضليل عن الواقع وتخذيل .
ولم يسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الملائكة بل أسنده الله إلى نفسه وحده بقوله ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) لأن أولئك الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلا يليق بقواهم إلقاء الرعب لأن الرعب خاطر شيطاني ذميم فجعله الله في قلوب الذين كفروا بواسطة أخرى غير الملائكة .
A E