والضمير المنصوب في ( خلقهم ) يحتمل أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ( جعلوا ) أي وخلق المشركين وموقع هذه الحال التعجيب من أن يجعلوا لله شركاء وهو خالقهم من قبيل ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) وعلى هذا تكون ضمائر الجمع متناسقة والتعجيب على هذا الوجهة من جعلهم ذلك مع أن الله خالقهم في نفس الأمر فكيف لا ينظرون في أن مقتضى الخلق أن يفرد بالإلهية إذ لا وجه لدعواها لمن لا يخلق كقوله تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) فالتعجيب على هذا من جهلهم وسوء نظرهم .
ويجوز أن يكون ضمير ( وخلقهم ) عائدا إلى الجن لصحة ذلك الضمير لهم باعتبار أن لهم عقلا وموقع الحال التعجيب من ضلال المشركين أن يشركوا الله في العبادة بعض مخلوقاته مع علمهم بأنهم مخلوقون لله تعالى فإن المشركين قالوا : إن الله خالق الجن كما تقدم وأنه لا خالق إلا هو فالتعجيب من مخالفتهم لمقتضى علمهم . فالتقدير : وخلقهم كما في علمهم أي وخلقهم بلا نزاع . وهذا الوجه أظهر .
وجملة ( وخرقوا ) عطف على جملة ( وجعلوا ) والضمير عائد على المشركين .
وقرأ الجمهور ( وخرقوا ) بتخفيف الراء وقرأه نافع وأبو جعفر بتشديد الراء .
والخرق : أصله القطع والشق . وقال الراغب : هو القطع والشق على سبيل الفساد من غير تدبر ومنه قوله تعالى ( أخرقتها لتغرق أهلها ) . وهو ضد الخلق فإنه فعل الشيء بتقدير ورفق والخرق بغير تقدير . ولم يقيده غيره من أئمة اللغة . وأيا ما كان فقد استعمل الخرق مجازا في الكذب كما استعمل فيه افترى واختلق من الفري والخلق . وفي الكشاف : سئل الحسن عن قوله تعالى ( وخرقوا ) فقال : كلمة عربية كانت العرب تقولها كان الرجل إذا كذب كذبة في نادى القوم يقول بعضهم : " قد خرقها والله " . وقراءة نافع تفيد المبالغة في الفعل لأن التفعيل يدل على قوة حصول الفعل . فمعنى ( خرقوا ) كذبوا على الله على سبيل الخرق أي نسبوا إليه بنين وبنات كذبا فأما نسبتهم البنين إلى الله فقد حكاها عنهم القرآن هنا . والمراد أن المشركين نسبوا إليه بنين وبنات . وليس المراد اليهود في قولهم ( عزير ابن الله ) ولا النصارى في قولهم ( عيسى ابن الله ) . كما فسر به جميع المفسرين لان ذلك لا يناسب السياق ويشوش عود الضمائر ويخرم نظم الكلام . فالوجه أن المراد أن بعض المشركين نسبوا لله البنين وهم الذين تلقنوا شيئا من المجوسية لأنهم لما جعلوا الشيطان متولدا عن الله تعالى إذ قالوا إن الله لما خلق العالم تفكر في مملكته واستعظمها فحصل له عجب تولد عنه الشيطان وربما قالوا أيضا : إن الله شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان فقد لزمهم أن الشيطان متولد عن الله تعالى عما يقولون فلزمهم نسبة الابن إلى الله تعالى .
ولعل بعضهم كان يقول بأن الجن أبناء الله والملائكة بنات الله أو أن في الملائكة ذكورا وإناثا ولقد ينجر لهم هذا الاعتقاد من اليهود فإنهم جعلوا الملائكة أبناء الله . فقد جاء في أول الإصحاح السادس من سفر التكوين " وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا وإذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم " .
وأما نسبتهم البنات إلى الله فهي مشهورة في العرب إذ جعلوا الملائكة إناثا وقالوا : هن بنات الله .
وقوله ( بغير علم ) متعلق ب ( خرقوا ) أي اختلقوا اختلاقا عن جهل وضلالة لأنه اختلاق لا يلتئم مع العقل والعلم فقد رموا بقولهم عن عمى وجهالة . فالمراد بالعلم هنا العلم بمعناه الصحيح وهو حكم الذهن المطابق للواقع عن ضرورة أو برهان .
والباء للملابسة أي ملابسا تخريقهم غير العلم فهو متلبس بالجهل بدءا وغاية فهم قد اختلقوا بلا داع ولا دليل ولم يجدوا لما اختلقوه ترويجا وقد لزمهم به لازم الخطل وفساد القول وعدم التئامه فهذا موقع باء الملابسة في الآية الذي لا يفيد مفاده غيره .
A E
