بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته فقال بعظيم علمه بالتعبير : إنه لا يجيئكما طعام في نومكما تريان أنكما ترزقانه إلا أعلمتكما بما يؤول إليه أمره في اليقظة قبل أن يظهر ذلك ولا يخفى أن حديث الطماعية المذكورة مما لا بأس إلا أن حديث التنسية لا يخلو عن منع وجاء في رواية أخرى عن ابن جريج أخرجها ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه ما يقرب من هذا الحديث من وجه فإنه قال : إنه عليه السلام كره العبارة لهما فأجابهما بأن له علما بما يأتيهما من الطعام ولم يصرح بما تدل عليه رؤياهما شفقة على الهالك منهما وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معلوما فأرسل به فلما لم يكتفيا بذلك وطلبا منه التعبير أيضا دعاهما إلى التوحيد كراهة للعبارة أيضا فلما لم يكتفيا عبر لهما وأوضح ما تدل عليه رؤياهما وهو كما ترى وأياما كان فالضمير في تأويله يعود على الطعام وجوز على ما قصاه عليه من الرؤيتين على معنى لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتكما إلا أخبرتكما بتأويل ما قصصتما على قبل أن يأتيكما ذلك الطعام المؤقت والمراد الإخبار بالإستعجال بالتنبئة وفيه أنه خلاف الظاهر مع أن الأخبار بالإستعجال مما ليس فيه كثير مناسبة لما هو بصدده وقد يقال : يجوز عود الضمير إلى ما قصاه ويكون المراد من الطعام المرزوق ما رأياه في النوم ولا يخفى ما فيه أيضا لكن التأويل على هذين الوجهين لا يحتاج إلى التأويل بل يراد منه ما أريد من تأويله في كلاهما وكذا الضمير المستتر في يأتيكما يعود على الطعام وعوده على التأويل وإن كان أقرب بعيد ثم إنه عليه السلام أخبرهما بأن ذلك ليس من علوم الكهنة والمنجمين بل هو فضل إلهي يؤتيه من يشاء فقال : ذلكما ويروى أنهما قالا له : من أين لك ما تدعيه من العلم وأنك لست بكاهن ولا منجم ! وقيل : قالا إن هذا كهانة أو تنجيم فقال ذلك التأويل والكشف عن المغيبات ومعنى البعد في ذلك للإشارة إلى بعد منزلته وعلو درجته مما علمني ربي بالوحي أو بنحو ذلك مما يحصل به العلم كما يكون للأولياء أهل الكشف رضي الله تعالى عنهم واقتصر بعضهم على الأول وادعى أن الآية دليل على أنه عليه السلام كان إذ ذاك نبيا وأيا ما كان فالمراد أن ذلك بعض ما علمنيه الله تعالى أو من ذلك الجنس الذي لا يناله إلا الأصفياء ولقد دلهما بذلك على أن له علوما جمة ما سمعاه قطرة من تيارها وزهرة من أزهارها وقوله : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما تقدم وتعليلا له كأنه قيل : لما علمك ربك تلك العلوم الجليلة الشأن فقال : لأني تركت دين الكفر الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادة الأوثان .
وقيل : تعليل للتعليم الواقع صلة وهو يؤدي إلى معنى أنه علمني ربي لهذا السبب دون غيره وليس بمراد .
وقيل : لمضمون الجملة الخبرية وفيه أن ما ذكر ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضا مما علمه ربه أو لكونه من جنسه بل لنفس التعليم والمراد بالترك الإمتناع فإنه لم يتلوث بتلك قط كما يفصح عنه ما يأتي من كلامه عليه السلام قريبا إن شاء الله تعالى لكن عبر به ذلك استجلابا لهما لأن يتركا تلك الملة التي هم عليها على أحسن وجه والتعبير عن كفرهم بالله تعالى بسلب الإيمان به سبحانه للتنصيص على أن