يقظة المسلمين في القـرن العشرين

يقظة المسلمين في القـرن العشرين

 

يقظة المسلمين في القـرن العشرين

 

  

 عمر أحمد عمر                 

باحث إسلامي من سوريا              

 

بسم الله الر حمن الر حيم

 

            شهد هذا القرن الذي اقترب من الأفول أحداثاً جساماً لعل من أهمها:

  1- انهيار الدولة العثمانية واستقلال الدول التي كانت خاضعة لها.

  2- تعاظم المد الاستعماري الأوروبي حتى طغى على معظم البلدان في آسيا وافريقيا، وسبب اشتعال نار الحرب العالمية الأولى والثانية نتيجة تضارب مصالح الدول الاستعمارية وسعيها المحموم للسيطرة والاستغلال. ثم تحررت الدول المستعمرة، وحصلت على استقلالها، ولكن كثيراً منها لازال يعاني من التبعية الاقتصادية والضعف والتخلف والفقر والجهل، ويتعرض لغزو ثقافي خطير.

 3- انتصار الثورة البلشفية الشيوعية على حكام روسيا القيصرية، وسيطرة قادتها على الاتحاد السوفياتي ودول أوربا الشرقية. ثم باءت بالفشل الذريع في آواخر هذا القرن; اذ تفكك الاتحاد السوفياتي، واستقلت الدول التي كانت مندمجة فيه، ونهجت المنظومة التي كان يتزعمها نهجاً على النقيض من الشيوعية.

 4- ازدياد قوة الولايات المتحدة الأمريكية حتى امتد نفوذها الى أوربا بعد ان دمرتها نيران الحرب الأولى والثانية. واتسع نفوذها مرة أخرى بعد انهيار حلف وارسو ودول المنظومة الشيوعية، حتى أصبح مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة ألعوبة بين يديها وسخرة لمآربها.

 5- اغتصاب اسرائيل جزءاً من الوطن الإسلامي، واقامة دولة لها في ربوع فلسطين. وقد عجزت الدول المحيطة بها عن تحرير تلك البقعة المقدسة على الرغم من أنها خاضت معها أربعة حروب كبيرة; مما دعا بعضها إلى الاعتراف بوجودها كأمر واقع واللجوء إلى الحل السلمي وعقد معاهدات التطبيع مع ذلك الكيان المغتصب.

 6- والحدث الهام الذي أثلج صدور المؤمنين في هذا القرن هو نجاح الثورة الإسلامية في ايران في أواخر العقد الثامن منه.

 7- كما شهد هذا القرن يقظة المسلمين على دوي المواقع التي تقصف حصونهم; فرأوا ان بلادهم قد قسمت، وثرواتهم قد نهبت، ومقدساتهم قد دنست ; وأصبحوا في خطر عظيم.

 

الطرق التي سلكها قادة اليقظة:

            وقام رجال أفذاذ من المسلمين يتلمسون سبل النجاة لأمتهم، فلم يجدوا غير العودة إلى الإسلام سبيلاً لإعادة وحدتهم وقوتهم وأمجادهم واستئناف بناء حضارتهم. ومنهم من اعتمد على الوعظ والإرشاد والتربية والتعليم لتحقيق ذلك الهدف، ومنهم من شكّل جمعيات خيرية وأسس معاهد تعليمية. ومنهم من قاد ثورة شعبية للإطاحة بالنظم الفاسدة واسترداد السلطة من أيدي الزعماء الذين وضعهم المستعمر لتنفيذ مآربه وخدمة مصالحه. ومنهم من شكّل أحزاباً سياسية للوصول الى السلطة بالاعتماد على الديمقراطية وتشكيل المجالس النيابية. ولكن معظمهم وجدوا عقبات كأداء في طريقهم، وتقطعت أنفاسهم دون اجتيازها.

 

وصف الجهود المبذولة للعودة إلى الإسلام:

            وقد أطلق بعضهم على تلك الجهود التي بذات لتطبيق أحكام الإسلام في مختلف مرافق الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مصطلح  «الصحوة الإسلامية» وعارض بعضهم الآخر هذا المصطلح; لأنه ترجمة لما يقابله في اللغات الأوربية وما انتشر في صحفهم عن هذه الظاهرة، ولأنه مصطلح غريب عن «القاموس الإسلامي»، ويوحي بأن الإسلام كان نائما، في حين أن الإسلام كدين وأحكام شرعية لازال على حاله، ولكن اتباعه هم الذين كانوا في سبات عميق حتى نهض غيرهم وتسلط عليهم([1]).

            ومنهم من أطلق على ذلك مصطلح «الحركات الإسلامية»، لكن هذا المصطلح قد يقتصر على التنظيمات السياسية، ولا يشمل جهود الأفراد الذين كان لهم دور ملموس في هذا المجال.

            ومنهم من أطلق عليه مصطلح «التيار الإسلامي»، ونص على رفض صيغة الجمع: «التيارات» للإشارة إلى ان الإسلام واحد لا يختلف بين فئة وأخرى([2]).

            وقد آثرنا عنوان «يقظة المسلمين» لأن هذه الكلمة نرى أنها أقرب إلى الواقع واكثر دقة وشمولاً من غيرها; فهي تصف محاولة المسلمين لتحقيق هدفهم دون أن يقتصر ذلك على الجماعات المنظمة او الرجال الأعلام.

            ورأينا ان نتكلم عن أشهر رجال اليقظة في النصف الأول من هذا القرن، وبعض الجمعيات التي شكلت لهذه الغاية ثم عن الحركات والتنظيمات الإسلامية التي قامت في بلدان المسلمين في القرن العشرين. واللّه المستعان.

            رجال اليقظة الإسلامية في النصف الأول من القرن العشرين:

            اتصل الغرب المسيحي بالشرق الإسلامي منذ نهاية القرن السادس عشر اتصالاً اقتصادياً لكشف ثرواته واستغلالها ونقلها إلى بلاده في صورة تبادل تجاري أو غيرها، وأصبح له نفوذ في التوجيه السياسي بعد التقدم الذي أحرزه في صناعة السفن، وازداد هذا النفوذ بالتدريج حتى بلغ أقصاه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الربع الأول من القرن العشرين، حيث خضعت معظم البلدان الإسلامية لسيطرة المستعمر بشكل مباشر.

            ومنذ أن باشر النفوذ الغربي سلطته في الشرق الإسلامي ابتدأ يعمل على تخلف المسلمين وعلى تنفيس الحقد الصليبي لديه، ولتحقيق هذه الغاية قصد الى افساد الإسلام والتراث الإسلامي لأنه السبب في وحدة المسلمين وقوتهم، فأبرز المفارقة بين الغرب والشرق، من تقدم الأول وتأخر الثاني، وزعم أن المسيحية دين المتقدمين، وان الإسلام دين المتخلفين .

            وقام بعض المسلمين ينادي باتباع الغرب فيما وصل اليه من حضارة وفكر، وقام المخلصون منهم يذودون عن الإسلام. ويحذرون المسلمين من التبعية والجمود، ويدعونهم إلى التمسك بدينهم.

            ويعد جمال الدين الأفغاني (1829 - 1897) رائد الحركات الإسلامية المعاصرة: إذ عمل على دفع حملة التشويه على الإسلام، ودعا المسلمين الى التمسك بالدين كما يصوره القرآن والسنة النبوية، وحث على على ائتلاف الجماعة الإسلامية ونبذ الخصومة بين الشيعة والسنة والغاء العصبية المذهبية، والتآلف بين الدولة الصفوية في ايران والدولة العثمانية. ودعا الى مقاومة الاستعمار الغربي وخاصة البريطاني. وقمع الظلم والاستيراد، وسعى الى الاستقلال وعدم انصهار المسلمين بغيرهم([3]).

            ومن بعده قام تلميذه الشيخ محمد عبده (1849 - 1905) الذي تعلم بالجامع الأحمدي في طنطا ثم الأزهر، وعمل في التعليم، وكتب في الصحف، وخاصة جريدة «الوقائع المصرية» التي تولى تحريرها. وتولى منصب القضاء، وأصبح مفتياً للديار المصرية([4]). فواصل المسيرة في دفع حملة التشويه على الإسلام ومجابهة المستعمر وتجديد المفاهيم الدينية، ودعا إلى اصلاح التعليم الديني وتقوية العقيدة الصحيحة وتهذيب النفوس، ووضع منهج تربوي، لفهم الإسلام من القرآن الكريم و«السنّة النبوية» وبين صلة القرآن بالحياة، ودعا إلى توجيهها وفق مبادئه وسنة النبي(صلى الله عليه وآله)وصحابته. ووضع منهجاً لإصلاح الأزهر، ليدرك طلابه مبادئ الإسلام وتعاليمه، وربط بين هذا الإصلاح وإصلاح حال المسلمين ومقاومة الاستعمار الغربي، وتحقيق سيادة الأمة الإسلامية.

            وبين أن التربية هي التي تؤدي إلى تغيير عادات الأمة وأخلاقها إلى ما هو أحسن، وتجعل الفرد يحرص على منافع البلاد حرصه على منفعته الخاصة، والتربية الحقة هي التي تؤدي إلى تقوية الروح الجماعية في الأمة، وهي التي تستمد من التعاليم الإسلامية، ولكنه لم يرد أن يقتصر منهاج الدراسة على هذه التعاليم، بل أضاف إليها بقية العلوم والصنائع التي تنفع الناشئ في حياته، وتجعله لا يقل عن الغربي في السيطرة على الحياة. وحث الأغنياء على أن يسهموا في التعليم، وعلى توزيع الثروة في الأمة على غالبية الأهالي.

            وارتفع صوته في الدعوة إلى تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف بين أصحاب الفِرق والمذاهب. ونهى عن البدع المنتشرة في المجتمع، وعن الرشوة وسائر المفاسد الاجتماعية. ودعا إلى إقامة العدل ومنع الظلم والاستبداد، كما دعا إلى العمل بنظام الشورى في الحكم، ومنح الحقوق والحرية للناس، والاهتمام بالمصالح العامة، وسن القوانين العادلة المناسبة للشعب، وحذّر من اقتباس القوانين الأجنبية لاختلاف أحوال الناس في معتقداتهم وأخلاقهم وعاداتهم وسبل حياتهم([5]).

            ثم تتلمذ الشيخ محمد رشيد رضا (1865 - 1925) على يد الشيخ محمد عبده، ودعا مثله إلى الإصلاح على أساس القرآن والسنّة وإحياء الكتب الدينية القديمة. ومثّل المدرسة السلفيّة التي قادتها مجلة المنار([6]). وتعد هذه المدرسة أولى المواجهات بين المجتمعات الإسلامية والتأثيرات الغربية. وقد رأى علماؤها أن الحل هو في الرجوع إلى الأصول الصافية للاسلام، ويتم ذلك بمكافحة البدع التي علقت بالدين نتيجة الجهل وركود الحياة الاجتماعية وبُعد المسلمين عن روح الجاد والاجتهاد. وقد حاولت البحث عن نموذج ثقافي سياسي يقوم على أصول الإسلام ويواكب تطور الحضارة الغربية، واتجهت نحو نقل النتاجات المادية للحضارة الغربية والمؤسسات ونظم الحكم والإدارة، دون الأفكار والقيم والفلسفات التي ترتكز عليها([7]).

            وحث العلماء على أن يحققوا الإصلاح عن طريق التربية التعليم، وأكد ان التربية والتعليم هما الركنان اللذان يقوم عليهما بناء السعادة. ونادى أثناء دعوته لإصلاح التربية والتعليم بأن يتولى الناس بأنفسهم إنشاء المدارس، ويبتعدوا عن المدارس التبشيرية والمدارس التي تفتحها السلطات الخاضعة للاستعمار. وأنشأ جمعية الدعوة والإرشاد سنة 1912 للإشراف على مدرسة الدعوة والإرشاد التي افتتحت في القاهرة لتحقيق الإصلاح في ميدان التربية والتعليم. وخرّجت هذه المدرسة عدد لا بأس به في البلاد الإسلامية من خيرة المثقفين، ولكنها تعطلت عند نشوب الحرب العالمية الأولى([8]).

            وقامت في الجزائر حين احتلتها فرنسا دعوة مماثلة لدعوة الشيخ محمد عبده، قامت بها جمعية العلماء التي حرصت على جعل أكبر عدد ممكن من المدارس الأولية في القرى تقوم بتحفيظ القرآن الكريم، للإبقاء على اللغة العربية والروح الإسلامية والشعور بالإخفاء الإسلامي. وبدا أثر ذلك واضحاً  في جهاد مسلمي الجزائر ضد الاستعمار بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس (1887 - 1940) الذي أتم دراسته في جامع الزيتونة بتونس، وأصدر مجلة الشهاب، وكان شديد الحملة على الاستعمار الفرنسي. وحاولت الحكومة الفرنسية إغراءه بتوليته رياسة الأمور الدينية فامتنع، وتحمل الأذى والاضطهاد([9]).

            كما قامت دعوة أخرى على غرارها في الهند، وأسست مدارس أهل الحديث ومدرسة دار العلوم بديوبند التي أسسها محمد قاسم النانونسي سنة 1283هـ. ومدرسة مظاهر العلوم في سهارنبور التي أسسها سعادات علي في تلك السنة. ثم تتابعت المدارس في الهند لنشر الدين الإسلامي والثقافة في طبقات الشعب. ولم تكن تلك المدارس تحصل على مساعدة من الحكومة، ولم يسع المتخرجون منها إلى الوظائف الحكومية كالمتخرجين من المدارس الرسمية، بل تجردوا للدعوة والخدمة والقيام بالأعمال الإصلاحية.

            وأنشأ القائمون على «ندوة العلماء» وعلى رأسهم محمد علي المونكيري مدرسة دار العلوم في لكنهوء سنة 1216هـ. لتزويد طلاب التعليم الديني بثقافة واسعة وأسلوب أرقى للدعوة، واطلاعهم على ما تجدد من العلوم والمسائل، ليكونوا أقرب إلى روح العصر الحديث، ويتم الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع([10]).

            وقام محمد اقبال (1879 - 1928) في الهند يدعو إلى تجديد الفكر الديني في الإسلام، ويوضح مزايا التعاليم الإسلامية في ايجاد جماعة حية قوية، ويطلب من المسلمين أن يفهموا دينهم في ضوء الحياة المعاصرة، ويسعوا في تكييفها وطبعها بطابع إسلامي.

            وهو مثل الشيخ محمد عبده، حفظ القرآن الكريم، ووقف على جهل المشرق بميلاده وتوطنه فيه، ورأى حياة الغرب بالإقامة فيه، ولكنه فوق ذلك قام بدراسة الفكر الغربي وبحثه، إذ درس في جامعة كمبروج في انجلترا وهيدلبرج في ألمانيا. وأصبح رئيساً لحزب مسلمي الهند، ورئيساً لجمعية حماية الإسلام. وهو أول من نادى بضرورة انفصال المسلمين عن الهندوس وتكوين دولة خاصة بهم. وقد تحقق ذلك باعلان قيام دولة الباكستان عام 1947.

            وقد راعه تخلف المسلمين عن المشاركة في السيطرة على الطبيعة والواقع، وفي القوة المادية والاقتصادية، وسوء فهمهم للاسلام، وأراد أن يدفعهم إلى العمل والقوة والاعتداد بالذات، ويخلصهم من الضعف والتواكل والهروب من الحياة. ولم يرضى للمسلم أن يكون صورة للأوربي، لأنه فقد الشعور بالاستقرار والطمأنينة، وهو في اضطراب مستمر مع نفسه وغيره. وإنما أراد للمسلم أن يبقى متمسكاً بإسلامه، وأن يلائم نفسه مع أوضاع الحياة العصرية وأصولها.

            وتقوم فكرته الإصلاحية على إعادة بناء الحياة الاجتماعية للمسلمين وفق مبادئ الإسلام، وتغيير مفهوم عالم الطبيعة او الواقع، ورده إلى ما اعتبره المسلمون الاوائل من أنه مجال لحركة الإنسان وسعيه ومعرفته. وشرح بعض المبادى الإسلامية كختم الرسالة والتوحيد والاجتهاد على أنها عوامل الحركة والسعي في هذا العالم الواقعي([11]).

            ولعل آخر من دعا إلى يقظة المسلمين في هذه الحقبة هو الشيخ حسن البنَّا (1906 - 1949) الذي ولد في المحمودية قرب الإسكندرية، وتخرج من مدرسة دار العلوم بالقاهرة. وعمل معلماً في عدة بلدان، ثم استقر في مدينة الاسماعيلية. ودعا إلى إعلاء كلمة الإسلام في الدروس والمحاضرات والنشرات، وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين، واختار لنفسه لقب «المرشد العام». وانتشرت دعوته في كثير من البلدان. ولم يقتصر على دعوة الرجال، بل دعا النساء أيضاً، وأنشأ معهد أمهات المؤمنين في الاسماعيلية لتربية البنات.

            ثم نقل مدرّساً إلى القاهرة، فنقل إليها المركز العام ومقر القيادة، ولقي فيها إقبالاً واسعاً على دعوته، وعظم أمر الجماعة، وناهز عددهم نصف مليون، وأنشأ في القاهرة جريدة «الإخوان المسلمون».

            وفي كارثة فلسطين كانت «كتيبة الإخوان المسلمين» من أنشط الكتائب المتطوعة. ولمّا رجعت إلى مصر أرادت أن تطهرها من المفاسد، فتلقى رئيس الوزراء محمود النقراشي أمراً باقفال أندية الإخوان واعتقال كثير منهم والتضييق على زعيمهم; فتحولوا إلى خلايا سرية تعمل في الخفاء، وقام أحدهم باغتيال النقراشي أمام حرسه وجنده، وبعد قليل اغتيل البنّا أمام مركز «جمعية الشبان المسلمين» في القاهرة([12]).

            وهنالك علماء ومجاهدون آخرون سيأتي الحديث عن بعضهم ضمن الجمعيات والحركات الإسلامية.

           

الجمعيات والحركات الإسلامية:

            لقد أصبحت الحركات الإسلامية ظاهرة سياسية لا يمكن تجاهلها، وأظهرت قدرة على التعبئة والحشد، ورفعت شعارات جذبت جماهير واسعة، وشغلت ظاهرة الإسلام السياسي كثيراً من المهمتين بالسياسة والاقتصاد والثقافة، وارتبط الإسلام بكثير من الأحداث التي شدت انتباه العالم خلال العقدين المنصرمين; إذ بدأ الاهتمام بها في منتصف السبعينات بعد حرب تشرين عام 1972 وارتفاع أسعار النفط وقيام الثورة الإسلامية في ايران عام 1979. وأصبح العالم الإسلامي بؤرة لثورات وتحولات سياسية عميقة، جعلت بعضهم يتحدث عن الخطر الأخضر أي الإسلامي بعد زوال الخطر الأحمر بسقوط الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي.

            وترى الحركات الإسلامية أن هذه الحقبة التي شهدت سقوط الايدلوجية المادية تجعل الإسلام منقذاً وبديلاً عنها، وأن  العالم في حاجة إلى الروحية، والإسلام هو المؤهل للقيام بهذا الدور([13]).

            وقد عرف العالم الإسلامي التحدي الحضاري الغربي منذ القرن التاسع عشر، وشكّل ذلك التحدي خطراً حقيقياً ومباشراً على شعوب العالم الإسلامي. وبقي التحدي والخطر بعد نيل معظم الدول استقلالها السياسي، وهو ما اعتبرته «التحدي الحضاري». المتمثل في مدى قدرة المسلمين على مواكبة التطورات العلمية والصناعية والاقتصادية والثقافية.

            وعلى رغم مظاهر الحداثة في بعض الحركات والتيارات الإسلامية المعاصرة، إلا آنهاتنتسب بصلة كبيرة إلى «المدرسة السلفية»، كما اقتبست الحركات الإسلامية بعض أساليب الأحزاب الوطنية والقومية وأنظمتها([14]).

            ونمو الظاهرة الإسلامية هو احتجاج على عجز النظم والأحزاب والقيادات التي تعدت لمهام التحرر والتنمية واسترداد فلسطين، ولكنها فشلت في ذلك. وهذه الحركات هي نتاج أزمة وشعور بالخطر، هو تهديد الهوية مع وجود أوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية تفاقم الشعور بالخطر; فهي مهددة بالإنقراض أو الاستيعاب داخل ثقافة أخرى تسعى إلى الهيمنة والسيطرة عليها.

            والحركات الإسلامية ترى الإسلام حلا لمشاكل الأمة الإسلامية وخاصة الاقتصادية ونظام الحكم وتحديد الهوية الحضارية وما يتبع ذلك من أمور اجتماعية مثل وضعية المرأة والاقليات غير المسلمة.

            وتتفق الحركات والتنظيمات الإسلامية في أسباب النشأة والظهور، وتختلف في طرائق مواجهة الأسباب وآلياتها، وتتباين اولويات العمل الإسلامي وكيفية تحديد مراحله.

            ويمكن ارجاع الحركات والتنظيمات الإسلامية السياسية كلها إلى جذور واحدة: فالبناء التنظيمي والمنطلقات الفكرية لهذه الحركات ترتبط بتراث الشيخ حسن البنا والحركة التي أنشأها في الاسماعيلية عام 1928. أما الجذر الثاني فمصدره شبه القارة الهندية متمثلاً في الأفكار والآراء التي نشرها أبو الأعلى المودودي (1902 - 1978) والذي أنشأ «جماعت إسلامي» الباكستانية عام 1941.

            وأعطى انتصار الثورة الإسلامية في ايران الحركات الإسلامية أملاً وقوة دفع معنوية في امكان الوصول إلى السلطة، وكان مصدراً للدعم بأشكال مختلفة. وجدير بالملاحظة أن الحركات الإسلامية لا تعطي قيمة كبيرة للفروق المذهبية بين الشيعة والسنة([15]).

            وفيما يلي محاولة للتعريف بحركات الإسلام السياسي ودراسة تاريخها ومراحل تطورها وعلاقاتها مع القوى الإسلامية الأخرى ومع السلطات الحاكمة، ومناقشة برامجها وخطابها الفكري والسياسي. وقد رتبناها حسب الحروف الهجائية لأسماء الدول التي نشأت فيها:

 

1- المملكة الأردنية الهاشمية:

            بدأ تنظيم «الإخوان المسلمين» في الأردن عام 1924 نتيجة لقاءات مع الإخوان المسلمين المصريين وزيارة بعضهم إليها. ولكن البداية الرسمية ترجع الى عام 1945 حين قرر مجلس الوزراء السماح بتأسيس جمعية الإخوان المسلمين. وكانت الجماعة على علاقة جيدة مع السلطة، فقد تم افتتاح المركز العام للإخوان برعاية الملك عبد اللّه الأول، وعيّن أحد وجهائها. وزيراً في الحكومة. واستمرت العلاقة الجيدة بين الإخوان والملك حسين، وشاركوا في الوزارات والمجالس النيابية، وساندوا الملك في أزماته خلال الخمسينات; إلا انه حدث توتر عام 1955 حين اعتقل المراقب الجديد محمد عبد الرحمن الذي انتخب عام 1952، ولكن سرعان ماعادت المياه إلى مجاريها. ولم تتعرض جماعة الإخوان للحل عام 1957 مثل سائر الأحزاب الأردنية. لأنها استفادت من التسجيل حسب قانون الجمعيات الخيرية والأندية. واستمرت العلاقة الطيبة مع الملك حسين إلى انتخابات تشرين الثاني 1989 حيث حصلت على اثنين وعشرين مقعداً من المقاعد الثمانين بنسبة 5/27% ويعملون الآن ضمن إطار واسع هو جبهة العمل الإسلامي الذي يمثل فيه الإخوان المسلمون موقعاً رئيساً.

            وقد التقوا الملك عبد اللّه الثاني بعد توليته، وهنؤوه بذلك.

            وهناك مجموعات إسلامية أخرى في صراع مع السلطة الأردنية مثل حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقي الدين البنهاني في القدس عام 1952. ورفضت السلطة الترخيص له لأنه يرغب في الوصول إلى السلطة عن طريق الدين. ولكن الحزب استمر بصورة سرية خاصة في الأرياف والقرى المعزولة. وكان يدعو إلى اقامة الخلافة الإسلامية وتكفير الدول التي لا تطبّق الشريعة الإسلامية، وهذا عرّضه للقمع والنفي، حيث استقر في دمشق حيناً ثم في بيروت حتى توفي، وخلفه الشيخ عبد القديم زلوم. وقد استطاع الحزب الانتشار في أغلب البلدان الإسلامية على الرغم من الملاحقة والتضييق([16]).

 

2- الأحزاب الإسلامية في اندونيسيا:

            قام الاستاذ عمر سعيد شكرو امينوتو بتأسيس أول حزب في أندونيسيا عام 1910 وهو «شركة إسلام». وشركة بمعنى جمعية في اللغة الاندونيسية.  ثم أنشتئت جمعيتان تعليميتان عام 1912 نتيجة للأثر البالغ لمجلة المنار التي كان يصدرها الشيخ رشيد رضا هما: الجمعية المحمدية التي أسسها الحاج أحمد دملان، وجمعية الارشاد التي أسسها السوكرني الأنصاري، وهو من أصل سوداني. وقد انتسب للجمعية المحمدية نحو مئتي ألف من الأعضاء، وأنشأت 1500 مدرسة و700 مشفى و200 دار أيتام وداراً لتخريج المعلمين. وأنشأت جمعية الإرشاد نحو 5000 مدرسة، كانت تدّرس باللغة العربية. وقامت الجمعيتان بـإعداد نشئ صالح ليكون عدة للمستقبل.

            وأسست جمعية وحدة العلماء سنة 1920. وأسس الدكتور سوكيمان الحزب الإسلامي الأندونيسي سنة 1925. وأسس الحاج أوغست سالم وزير الخارجية حينئذ حزب التنوير الإسلامي وجمعية الشبان المسلمين.

            وبعد ذلك بدأت حركة تقارب وتعاون بين هذه الجمعيات والأحزاب، وتكوّن منها بين الحربين شبه اتحاد باسم المجلس الإسلامي الأعلى. واهتم المجلس بقضايا الحرب في فلسطين وبرقة، وقام بمقاطعة ايطاليا، وأنشأ فرعاً للصحافة لرد مفتريات المجلات الأوربية والصينية والمجلات الإلحادية، وجاهد لإلغاء القوانين الاستعمارية مثل قانون الزواج المدني المخالف للإسلام.

            وحين احتلت اليابان اندونيسيا والملايو تشكلت الخلايا العسكرية لمقاومة الاحتلال: منها فرق الدفاع الوطني بقيادة الجنرال سوديرمان، وهو من العلماء، وكان اكثر ضباطه من الجمعية المحمدية، ومنها حزب اللّه بقيادة زين العارفين من جمعية نهضة العلماء. وحينئذ اجتمعت الجمعيات وكونت اتحاداً أوثق وأقوى، وأصبح مجلس الشورى الإسلامي بدلاً من المجلس الإسلامي الأعلى. وقاد الجهاد ضد المحتلين اليابانيين ثم الهولنديين، وتولى ممثلون عنه المفاوضة على المائدة المستديرية التي أدت إلى استقلال اندونيسيا.

            ولما استقلت اندونيسيا تكون الجيش من فرق الدفاع الوطني. واعتزل حزب اللّه وألّف شبه حكومة دأخلية باسم دار الإسلام لإقامة حكم اللّه. وقرر المؤتمر الأكبر الذي جمع الأحزاب والجمعيات كلها توحيد الصفوف في حزب واحد دعي «ماشومي». وهذا الاسم مركب من حروف «المجلس الشوري الإسلامي».

            وحين عقد مؤتمر جوكجا عام 1949 الذي كان أعظم مؤتمر إسلامي، وشهده سبعمائة مندوب، قرر تثبيت «ماشومي» وتكوين مكتب تنفيذي له واعتبار جميع الأحزاب والجمعيات أعضاء فيه، وقرر تأليف جبهة تضم جميعات الشباب كلها باسم «جبهة الشباب الاندونيسي».

            ولكن الاتحاد لم يدم، فانشقت جمعية نهضة العلماء وشركة إسلام والتربية الإسلامية، وألفوا حزباً سموه «مسلم ليك» أي الجماعة الإسلامية برئاسة دملان. وكان محمد ناصر رئيس «ماشومي»، وهو عالم فاضل متواضع، وقدر عدد المنتسبين الى جبهته باكثر من احد عشر مليوناً عام 1954، وهدفه بناء دولة إسلامية. وأصبح للحزب ممثلون في البرلمان والوزارة، وتولى رئاسة الوزارة فترة من الزمن، ووقف في وجه سوكارتو حين كان رئيس الدولة، وفقد المبادئ التي نادى بها لبناء اندونيسيا; مما جعله يأمر بحل حزب «ماشومي» والمجلس التأسيسي الذي وافق على الا تتعارض القوانين مع الشريعة الإسلامية، عام 1959. ثم حل البرلمان، ورشح أعضاء اكثرهم من اليساريين والشيوعيين.

            وعندئذ تشتت الأحزاب الإسلامية، فدعا فريق من الغيورين إلى عقد مؤتمر في سريانا سنة 1962، واتفقوا على إنشاء مؤسسة إسلامية غير سياسية، لتعترف بها الحكومة، ولا تخوض في المسائل الخلافية المذهبية التي هي سبب انشقاق المسلمين، وركزت الجهود على طبع رسائل تدحض مزاعم الاشتراكيين وخرافات الاناجيل والمبشرين، وتسعى لتوحيد كلمة المسلمين وتسوية كل خلاف نشأ بين الأحزاب الإسلامية([17]).

            ولازال المسلمون يناضلون على الرغم من الإطاحة بسوكارتو وخليفته سوهارتو لتحقيق هدفهم المنشود.

 

3- جمهورية ايران الإسلامية:

            قامت في ايران في عهد الشاه حركة «فدائيان إسلام» بقيادة نواب صفوي الذي درس في النجف الأشرف، ثم عاد إلى ايران متوقداً بالإيمان والحماس، ليقود حركة الجهاد ضد الخونة والمستعمرين، وأبدى معارضة شديدة للجهاز الحاكم، لأنه كان دمية في يد المستعمر.

            وعندما نشبت الحرب الفلسطينية عام 1948 لبس رجال جماعة «فدائيان إسلام» الأكفان، واستعدوا للزحف إلى فلسطين لتطهيرها من رجس اليهود، ولكن توقيع الهدنة حال دون ذلك.

            وعندما بدأت معارك التحرير من النفوذ البريطاني وأممت مصافي النفط في عبادان، كانت «فدائيان إسلام» الشعلة التي أنارت السبيل ومهدت الطريق بسيل من الدماء. وبعد أن انتكست الوثبة ونقض التأميم أصر «نواب» وجماعته على موقفه بالرغم من سكوت الكتل الوطنية، مما أدى الى استشهاده مع  نفر من إخوانه برصاص الخونة والعملاء في 18 كانون الثاني 1956م.

            وكانت هذه الجماعة تقوم على أساس أن الإسلام نظام شامل للحياة الإنسانية، وأنه يضمن الأمن والسلامة للفرد والمجتمع، وبه تحل جميع المشكلات، ويتوفر الغذاء والكساء والمأوى لكل الناس، وتنهى عن الطائفية والتفرقة بين الشيعة والسنة، وتدعو إلى وحدة العالم الإسلامي على أساس الدين([18]).

            ثم قام الإمام الخميني (قده) فقاد ثورة شعبية ضد الطغيان والفساد والاستبداد، واحتمل السجن والنفي وشظف العيش، وصبر على قتل نجله الاكبر. وبقي يجاهد ويقود الجماهير حتى تمكن من الإطاحة بالشاه وحكومته، وتأسيس جمهورية ايران الإسلامية عام 1979. وهذا عمل عظيم يحتاج إلى بحوث مطوّلة، ولا يتسع المقام لاستيفائه حقه. ويكفي ان تعده من أهم الأحداث التي وقعت للمسلمين في هذا القرن.

           

4- الجماعة الإسلامية في باكستان:

            تأسست هذه الجماعة عام 1940 بقيادة العلامة أبي الأعلى المودودي للدعوة إلى إحياء الدين الحنيف، ورفع كلمة اللّه عزوجل، وتحكيم القرآن الكريم والسنة النبوية في الحياة، وإقامة مجتمع إسلامي. وحين قامت دولة باكستان طالبت «الجماعة» بوضع دستور مستمر من القرآن والسنة، فاصطدمت بالفئات والاتجاهات الموالية للمستعمر كالقاديانيين ومنكري السنة والمتفرنجين والمخدوعين بالحضارة الغربية.

            وفي عام 1962 صادرت الحكومة مجلة «الجماعة»، وصادرت أموالها، وأغلقت مراكزها، وألقي القبض على أمير الجماعة وأعضاء مجلس الشورى، وقدم المودودي للمحاكمة، وخُفِض الحكم عليه إلى السجن المؤبد تحت ضغط العالم الإسلامي.

            وحين أجريت الانتخابات عام 1970 لوضع دستور للبلاد كانت «الجماعة» توجه التنظيمات الجماهيرية الكبرى: وهي منظمة العمال، ومنظمات الشباب، ومنظمة الفدائيين المسلمين. وكانت تصدر ست صحف يومية ومجلة شهرية وأخرى اسبوعية، وتوزعها في أرجاء باكستان.

            وتتلخص دعوتها في ثلاثة مبادئ هي:

            1) الدعوة إلى عبادة اللّه وحده وعدم الشرك به.

            2) دعوة المسلمين إلى الإخلاص وتزكية النفوس من النفاق.

            3) دعوة الناس كلهم إلى اصلاح أصول الحكم ومقاومة الطغيان والفساد.

            وتوصلت الى أن الحركة الإسلامية لا تستغني عن أمرين هما: التخطيط والتنظيم، والتربية من الناحية الفكرية والروحية.

            ودعت الى إطلاع العاملين للإسلام على الثقافة العصرية والأفكار السائدة والدعوات الحديثة; ليتمكنوا من محاربة الفساد، واقناع العقلاء، وجذب القلوب إليهم([19]).

           

5- البحرين:

            تشهد البحرين احتجاجات ومواجهات بين المعارضة والسلطة، إذ تطالب المعارضة بعودة البرلمان، وتتحدث الحكومة عن موأمرة تؤيدها حكومة أجنبية. وأعلن وزير شؤون مجلس الوزراء والإعلام عن كشف مايسمى الجناح العسكري لحزب اللّه - البحرين، وأن أفراده تلقوا التدريب في ايران ولبنان بهدف قلب نظام الحكم في البحرين([20]).

 

6- الحركات الإسلامية في تركيا:

            قامت في تركيا حركات دينية تعارض الثورة الكمالية بزعامة الإخوة الدراويش: وكانت الحركة النقشبندية رأس حربة المعارضة الدينية في حياة كمال أتاتورك، وقاد عدد غير قليل من أفرادها ثورات مسلحة، أهمها في المنطقة الجنوبية الشرقية سنة 1925، وفي مينمين سنة 1920، وأعقبتها الحركة التيجانية، والحركة النورية.

            وقام العلامة الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي وتلامذته طلاب رسائل النور، فكشف عن حقائق الإسلام الخالدة، واعاد للأجيال الناشئة ثقتها بتاريخها وجهادها، ونجح في بلورة تعاليم الإسلام. وبين مزايا الشريعة للشباب المتوثب، وكتب عدداً من الرسائل بعنوان «سلسلة رسائل النور». وجمع حوله ملايين من الشبان المسلمين، وألـّـف جمعية إسلامية باسم «الاتحاد المحمدي» عام 1908 لمقابلة جمعية الاتحاد والترقي التي كانت تتقنع بالدين، وتخفي رجس الماسونية واليهودية. وانضم إليها آلاف الناس.

            وقبض الاتحاديون على بديع الزمان سنة 1909، وأعلن اثناء محاكمته بصراحة وقوة تمسكه بالإسلام، ومعاداته للماسونية والإلحاد والتبعية لأوربا في اخلاقها وعاداتها، وحكم عليه وعلى خمسة عشر مسلماً من انصاره بالإعدام، ثم أخلي سبيله تحت ضغط الجماهير.

            وعندما قام مصطفى كمال بثورته عام 1920 أرسل إليه بديع الزمان وإلى المجلس النيابي الذي كان يتولى رئاسته، خطاباً مطولاً يحثهم فيه على اقام الصلاة والاستقامة. ثم عكف على كتابة رسائل لنشر التوعية الإسلامية ومقاومة أتاتورك. وكان كل فرد تصل إليه رسالة منها ينسخها في عدة نسخ، ثم يوزعها على القراء، فتنشر بسرعة في البلدان والمجتمعات، وبين الطلاب والجنود والموظفين، واستمرت بهذه الطريقة عشرين سنة.

            وشعر أتاتورك بخطورته، فأمر بنفيه، ثم أمر بمحاكمته وسجنه، ومع ذلك لم يتوقف عن كتابة البحوث والرسائل، وحث المسلمين على العلم والتمسك بالدين. ثم حوكم مرة أخرى، وأعلن أثناء المحاكمة بصلابة تمسكه بالإسلام، وأعيد إلى منفاه، ولم يفرج عنه حتى عام 1947 حين تساهلت الحكومة بعض الشيء بالثقافة والنشاط الديني بضغط من جماعة النور. وأجازت الحكومة حينئذ طبع رسائل النور، فانتشرت في كل بلدة وسوق ومسجد ومدرسة، وانضم لدعوته كثير من العلماء والأدباء والمفكرين واساتذة الجامعة. وهذا ما أوعز صدر الحكومة عليه من جديد، فأحالته إلى محكمة افيون الجزائية عام 1948، وحكم عليه بالحبس عشرين شهراً، ثم بقي معزولاً حتى وفاته سنة 1959م.

            وكانت جماعة النور تدعو إلى تفهم القرآن والتخلق بأخلاق الإسلام، وتحث على الجهاد في سبيل الله وتطبيق شريعته واقامة وحدة مع البلدان الإسلامية. وأعضاؤها لا ينفرون من الدنيا ونعيمها، ولا ينزوون بعيداً عن الحياة; ولكنهم يحبون العمل النافع والحركة المثمرة، ويجاهدون لاعلاء كلمة اللّه، ويحرصون على تربية أفرادهم تربية روحية وعقلية([21]).

            وبعد أن حظرت هذه الجماعة أعقبها حزب الرفاه الإسلامي الذي تمكن رئيسه من ان يتولى رئاسة الوزارة بالطرق الديمقراطية، ولكنه لم يلبث ان نحي عن الحكم بضغط من ضباط الجيش الموالين لأمريكا واسرائيل،، وحظر حزبه. وتشكل من جديد حزب الفضيلة لمتابعة السير، والدعوة إلى التمسك بالإسلام والعمل بأحكامه في مجالات الحياة.

 

7- تونس:

            تعرضت تونس لعملية تحديث قوية تهاجم الإسلام علانية، وقابلتها استجابة دينية سياسية، إذ رفض العلماء توجه بورقيبة نحو الغرب وميوله الى الاشتراكية حيناً والليبرالية حيناً آخر، وعارضوا وضع نظام جديد للأحوال الشخصية، وساءت الأوضاع حتى تراجعت السلطة عن اتجاهها، وبدأت في البحث عن أشكال جديدة للتأثير في الحياة العامة; فتم إنشاء «الجمعية القومية للمحافظة على القرآن» عام 1968، وانضم إليها عناصر جديدة من أبرزها: الشيخ عبد الفتاح مورو، والشيخ راشد الغنوشي، ومن الشباب: احميدة النيفر، وصلاح الدين الجورشي. وتركز العمل في المساجد والمعاهد، وكثرت الحلقات حتى شملت العنصر النسائي.

            وتعاطف معها عناصر من الدارسين في جامع الزيتونة كالشيخ محمد صالح النيفر الذي كوّن جمعية الشبان المسلمين في الأربعينات، والشيخ عبد القادر سلامة الذي وافق على تجديد رخصة اصدار مجلة «المعرفة» لتكون مجلة الحركة. وسرعان ما أصبحت منبراً للدعوة، واستقطبت كثيراً من الشباب إلى الإسلام، وبلغ توزيعها في أواخر السبعينات نحو ثلاثين ألف نسخة الا أنها اوقفت عام 1979، وحل محلها مجلة المجتمع في ذلك العام، والحبيب عام 1980.

            وبدأت مرحلة جديدة للحركة بعقد مؤتمر سري عام 1979 في ضاحية منوية غربي تونس العاصمة، وظهر فيه تياران: الأول يتزعمه راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو، ويعد الحركة امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين. والثاني يتزعمه احميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي وزياد كريشان، ويرى الاستقلال عن «الإخوان المسلمين»، ولكن التيار الأول هيمن على المؤتمر، واختير الغنوشي أميراً للجماعة. وهذا التيار هو الذي شكل «حركة الاتجاه الإسلامي».

            أما التيار الثاني فقد شكّل مجموعة خاصة اعتبرت نفسها تقدمية ومجددة. وشهدت تونس تيارات أخرى مستقلة مثل حزب التحرير الإسلامي، و«التفكير والهجرة»، و«جماعة المسلمين».

            وتهدف الحركة إلى بعث الشخصية الإسلامية لتونس، ووضع حد لحالة التبعية والاغتراب، وتجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام ومقتضيات الحياة، وحصول الجماهير على حقها في تقرير المصير وإعادة بناء الاقتصاد وتوزيع الثروة وفق مبادئ الإسلام.

            وأدى نجاح الثورة الإسلامية في ايران إلى زيادة التركيز على الجوانب السياسية في خطاب الحركة; مما أدى إلى الصدام مع السلطة، خاصة بعد المؤتمر الذي حوّل الحركة الى حزب سياسي باسم «الاتجاه الإسلامي» في حزيران 1981. ورفضت الحكومة الترخيص للحزب، ووقعت أعمال عنف داخل الحرم الجامعي وفي مناطق سياحية، فاعتقلت الحكومة أعداداً كبيرة من أعضاء الحزب، ثم صدر عفو عنهم بمناسبة عيد ميلاد بورقيبة الثاني والثمانين في آب1984.

            وبعد تنحية بورقيبة عام 1987 حاولت الحركة التكيف مع الظروف الجديدة، فاتخذت اسم «حزب النهضة»، لكن الرئيس زين العابدين بن علي أعلن رفضه الحاسم لقيامه باعتباره حزباً دينياً على الرغم من تأكيد قادته بأنه سياسي، وأنه يرفض العنف. واستمرت المواجهة بين الإسلاميين والسلطة الحاكمة([22]).

 

8- الجزائر:

            قاد الأمير عبد القادر الجزائري الجهاد ضد المستعمر في ثلاثينات القرن الماضي، ثم تأسست «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» عام 1920 برعاية الشيخ عبد الحميد بن باديس لهذه الغاية. ونشأت حركات الإسلام السياسي نتيجة فشل الدولة الوطنية بعد نيل الاستقلال وانتشار الفساد الذي استشرى مع بداية الثمانينات. وتطلب عملية التعريب أعداداً كبيرة من مدرسي اللغة العربية، جلبتهم الجزائر من مصر وغيرها، وكان كثير منهم من «الاخوان المسلمين»، فتركوا اثراً واضحاً بين الطلبة في مطلع السبعينات.

             وحاولت الحكومة التقريب بين الإسلام والاشتراكية، وشكلت المجلس الإسلامي الأعلى في شباط 1966. وقبل ذلك تمت الموافقة على «جمعية القيم» عام 1964. التي أصدرت مجلة «التهذيب الإسلامي»، وكان رئيسها الهاشمي التيجاني المتأثر بأفكار «الاخوان المسلمين». ثم حُظِر نشاطها في أيلول 1966، وحلت في آذار 1970.

            وبعدئذ أشرفت الحكومة على اصدار مجلة «الأصالة» لتعبر عن وجهة النظر الرسمية في المجال الديني. وبرز في هذه الفترة عبد اللطيف سلطاني (1902 - 1984) الذي يعتبره بعضهم الأب الروحي للحركة الإسلامية الجزائرية، وقد لعب دوراً كبيراً في مهاجمة الاشتراكية. وبرز أيضاً الشيخ أحمد سحنون. جاء الميثاق الوطني عام 1976 لمحاولة احتواء هذه الاتجاهات الإسلامية المتنامية.

            وتصاعد التيار الإسلامي بمجيء الشاذلي بن جديد الذي سمح بقدر من حرية التعبير، وحاول كسب ود الإسلاميين، وسمح للخطباء بالحديث في المساجد. ويرى بعض المؤرخين أن العمل المنظم بدأ بتأسيس مسجد الطلبة في جامعة الجزائر المركزية الذي أسسه المفكر الإسلامي مالك بن نبي عام 1968، وأشرف عليه عدد من أتباعه الذين انتشروا فيما بعد داخل التنظيمات الإسلامية. لكن بداية الثمانينات من هذا القرن هي انطلاقة الحركات الإسلامية الحقيقية، وساعدها على ذلك سياسة بن جديد، ونجاح الثورة الإسلامية في ايران.

            وكانت أولى الجماعات التي تبلورت هي جماعة «التبليغ والدعوة» عام 1979، وشهد عام 1982 مواجهات ضد الطلاب اليساريين، ومظاهرات للاسلاميين انتهت باصدار نداء 12 تشرين الثاني 1982 الذي يعد المسودة الأولى للمشروع الإسلامي، ووقع عليه عبد اللطيف سلطاني وأحمد سحنون وعباس مدني. وفي ذلك العام كوّن مصطفى بو يعلى جماعة «الحركة الجزائرية المسلحة» وقام بمصادمات مع السلطة انتهت بمقتله  في شباط 1987م.

            واندلعت المظاهرة في تشرين أول 1988، فاصطدم 8000 شخص مع قوات الأمن أثناء صلاة الجمعة، وأطلق الجيش النار في حي القبة عند أحد المساجد، فقتل نحو خمسين شخصاً. ثم قام علي بلحاج بدور الوسيط بين المتظاهرين ورجال الأمن، واستقبل الرئيس بن جديد قادة إسلاميين على رأسهم بلحاج، مما شكل اعترافاً ضمنياً بدور الحركة الإسلامية. وأدى ذلك إلى تعديل الدستور والسماح بتعدد الأحزاب في صيف 1989، وكانت الغلبة في الساحة السياسية للتيارات الإسلامية.

            وتعددت الجماعة الإسلامية بعدئذ دون أن يتميز بعضها عن بعض في المبادئ والأهداف. وأشهرها:

            - الجبهة الإسلامية للانقاذ بزعامة عباس مدني وعلي بلحاج، وقد أسست في 18 شباط 1989، واعترف بها في أيلول من ذلك العام، وأصدرت جريدة «المنقذ». ثم حظرت في شباط 1992 بعد فوزها في انتخابات المجالس البلدية بنسبة 55% عام 1990، والانتخابات التشريعية عام 1990 بـ 189 مقعداً بنسبة 47% من المقترعين.

            - حركة المجتمع الإسلامي (حماس) بقيادة الشيخ محفوظ نحناح التي أعلنت في آذار - 1991.

            - رابطة الدعوة الإسلامية التي يقودها الشيخ أحمد سحنون عام 1989.

            - حركة الامة، اسسها يوسف بن خده في آذار 1990.

            - حزب اللّه بقيادة جمال الدين باردي عام 1990.

            - حزب التجمع العربي الإسلامي في أيلول 1990، ويقوده علي زغرود.

            - جماعة النهضة الإسلامية في كانون الأول 1990 يقودها الإمام عبد اللّه جاب اللّه.

            - جمعية العلماء في آذار 1990 برئاسة أحمد حماني.

            - وهناك تيار مالك بن نبي يمثله حزب النهضة الجزائرية.

            - والتيار الإسلامي لجبهة التحرير الوطني.

            - وجماعات الطلائع المقاتلة أو الأفغان، وهم في حركة التكفير والهجرة.

            - وجماعة التبليغ والدعوة.

            - ومجموعة مصطفى بويعلى([23]).

 

9- المملكة العربية السعودية وامارات الخليج:

            تزعم السعودية وامارات الخليج أنها تعمل بالشريعة الإسلامية، ولا تحتاج إلى من يطالب بتطبيقها فيها; ولذلك تعمل عناصر الحركات الإسلامية ضمن جمعيات النفع العام أو منظمات الدعوة والإغاثة، بالاضافة إلى نشاطها في المجالات الثقافية والتربوية ووسائل الاعلام. وقد تأثرت هذه الأقطار بالاتجاهات الداعية إلى المشاركة الشعبية واحترام حقوق الإنسان والمطالبة بتداول السلطة، فأصحبت أكثر اهتماماً بالسياسة، وقامت أغلب الحكومات بـإنشاء مجالس للشورى بالتعيين، لتطويق أي دعوة تسعى إلى أكثر من ذلك.

            وقد شهدت السعودية حركة جهيمان بن سيف العتيبي الذي تحصن في المسجد الحرام في تشرين الثاني 1979 عقب الانتهاء من مناسك الحج، وانتقد عدم الالتزام الكامل بالشريعة. ويتمركز التيار الشيعي في المنطقة الشرقية، ويتأثر بالثورة الإسلامية في ايران. وهناك تنظيمات أخرى مثل حزب تحرير الجزيرة، والإخوان المسلمون، وجماعة المسجد، وجماعة الدعوة، ومنظمة الثورة في شبه الجزيرة العربية.

            وظهر في الفترة الأخيرة جماعات ضغط في السعودية مثل لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية التي شكلها مجموعة من المثقفين على رأسهم محمد السعري الأستاذ في جامعة الملك سعود في آذار 1992، وتهدف إلى حفظ كرامة الإنسان وحقوقه الشرعية، ورفع الظلم ونصرة المظلوم. وكان رد السلطة سريعاً عبّر عنه بيان هيئة كبار العلماء بعدم شرعية هذه اللجنة، وعدم وجود مبرر لقيامها; لأن السعودية تحكّم شرع اللّه، والمحاكم الشرعية منتشرة فيها، ولا يمنع أحد من رفع ظلامته إليها أو إلى ديوان المظالم([24]).

 

10- السودان:

            دخل الإسلام الى السودان عن طريق الصوفيين، ووجدت بين الناس شعائر ومعتقدات لا تتفق مع الدين الحق.

            وترجع حركات الإسلام السياسي في السودان إلى بعض الطلاب القادمين من مصر متأثرين بحركة «الإخوان المسلمين» وزيارة بعض عناصر هذه الحركة السودان منذ منتصف الأربعينات من هذا القرن. وظهرت الحركة الإسلامية في أوج نضال الحركة الوطنية ضد الاستعمار، وبدأت بين الطلاب في المعاهد العليا عام 1949 - 1955، واهتمت بوقف المد الشيوعي إليهم، وتبنت شعار الدستور الإسلامي بعد الاستقلال عام 1955، وحاولت أن  تجمع الأحزاب الكبيرة حولها، ثم تأسست جبهة الميثاق الوطني عام 1964، واختير حسن الترابي اميناً عاماً لها.

            وعارضت الحركة الحكم العسكري بقيادة جعفر النميري عام 1969 لاتهامه باليسارية، ثم تصالحت معه عام 1977، فسمح لها بفتح البنوك الإسلامية وإنشاء الشركات، وتمكنت من العمل بين الطلاب، وظهر أثر نشاطها في نتائج انتخابات 1986، حيث جاء حزب «الجبهة الإسلامية القومية»  في المرتبة الثالثة بعد الحزبين الكبيرين: حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي.

            ووصلت «الجبهة الإسلامية القومية» إلى السلطة في20/6/1989 بانقلاب عسكري، ولازالت تحكم السودان حتى الآن، وهي الحركة الوحيدة في المنطقة التي وصلت إلى السطلة في فترة قياسية.

            وعرفت الساحة السودانية تنظيمات أخرى، لم تنتشر مثل «الجبهة الإسلامية القومية» من حركة التحرير الإسلامي التي أعلنت في آب 1952، وكانت متأثرة بمبادئ التحرر والاستقلال والمساواة، وتميزت بدعوتها إلى الاشتراكية، فتعرضت لنقد شديد من الآخرين.

            وظهرت حركة «الجمهوريين» الذين منهم محمود محمد طه (1909 - 1985) وألقي القبض عليه بتهمة مساندة «الاخوان المسلمين» وأُعدم بتهمة الردّة، وتبعثر أتباعه من بعده. وقد قال بالتدرج في بيان الرسالة المحمدية وقسم الايات الى مكية ومدنية، حيث تمثل كل واحدة منهما درجة وتشريعاً مختلفاً عن الأخرى.

            وهناك جماعة أنصار السنة المحمدية، وهي حركة سلفية وهابية، أصبح لها صوت مسموع في الإدارة والسلطة منذ عام1989  ([25]).

11- الجمهورية العربية السورية:

            بدأت الحركة الإسلامية في سوريا على شكل جمعيات ركزت على الدعوة الإسلامية والتنظيم الإجتماعي والتوعية الدينية والإرشاد، ولم تتدخل كثيراً في السياسة. ومن أبرز تلك الجمعيات: جمعية الفداء التي تأسست في بداية العشرينات احتجاجاً على السياسة التعليمية للإدارة الاستعمارية، وأنشأت عدداً من المدارس. وجمعية الهداية الإسلامية التي تأسست عام 1920، وأقامت علاقة مع «الإخوان المسلمين» في مصر اثر زيارة قام بها عضوان منهم إلى فلسطين وسوريا عام 1925. وجمعية التمدن الإسلامي التي تأسست في الفترة السابقة.

            وأسس الشيخ مصطفى السباعي (1915 - 1964) جماعة «الإخوان المسلمين» عام 1944، وأصبح مراقباً عاماً لها بعد أن وحّد التنظيمات التي كانت قائمة مثل: «دار الأرقم» بحلب عام 1925، و«الشبان المسلمون» بدمشق، و«جمعية الرابطة بحمص» و«الإخوان المسلمون» بحماة.

            ونشرت الجماعة برنامجها السياسي عام 1945، بعد ان انتقلت إلى دمشق، وشاركت في انتخابات عام 1947 كممثلة وقائدة للحركات الإسلامية. ولكنها تعرضت لقمع العسكريين بعد انقلاب حسين الزعيم عام 1949، ولم تعد إلى العمل السياسي العلني الا بعد سقوط نظام أديب الشيشكلي في آذار 1954، ثم شاركت في انتخابات 1957، وتعرضت للاضطهاد خلال الوحدة مع مصر ; فأيدت الانفصال عام 1961، وعادت إلى العمل العلني. وفي ذلك العام اعتزل السباعي قيادة الجماعة، وخلفه عصام العطار، وشاركت الجماعة في الانتخابات، وأحرزت عشرة مقاعد، ومثلت في حكومة خالد العظم عام 1962.

            ولما استولى حزب البعث على السلطة عام 1962 واجه «الإخوان المسلمين» ينفي العطار إلى الخارج، وواصل الإخوان تحدي السلطة، وأعلن العصيان المدني في حماة عام 1964. وبعد عام 1967 انشقت مجموعة تعتمد على الكفاح المسلح أو الجهاد بقيادة مروان حديد من حماة، ونشطت المجموعة في الشمال، وبرز جناحان: أحدهما معتدل يضم الأسماء اللامعة من رواد الحركة، ويميلون إلى العمل السياسي ورفض العنف. وقد ذهب اكثرهم إلى السعودية والخليج. وجناح مروان حديد الذي تبنى المعارضة المسلحة باسم الجهاد، ويعمل أعضاؤه في الداخل، ويعتزون بأنهم قدموا آلاف الشهداء في سبيل الثورة الإسلامية. وضمن هذا الجناح: جماعة «كتائب محمد» التي تزعمها مروان حديد، وبعض عناصر حزب التحرير إسلامي الذي أسسه عبد الرحمن أبو غدة عام 1962 في حلب.

            ويبدو  أن الغلبة صارت لقيادة مجموعة الجهاد ابتداء من عام 1976. واختير عدنان سعد الدين من حماة مراقباً عاماً. وشهدت نهاية السبعينات صدامات دموية بين السلطة والجهاديين انتهت بهزيمتهم. ونتيجة ذلك تأسست «الجهبة الإسلامية في سوريا» في تشرين الأول 1980، وتكونت من تحالف جماعة العطار وعدنان سعد الدين وبعض العلماء ومجموعات صغيرة من التنظيمات الإسلامية. وتم اختيار الشيخ محمود ابو النصر البيانوني من حلب أمينا عاماً للجبهة.

            وقامت الجبهة بمواصلة عملها  العسكري كما اتضح من أحداث آب 1981، وتصاعد في عصيان حماة في شباط 1982. وضعفت الجبهة نتيجة الخسائر الفادحة خلال عامي1981 - 1982، ونتيجة الخلافات والانقسامات التي وقعت بين زعمائها([26]).

12- العراق:

            برز نشاط الحركة الإسلامية الشيعية في العراق بعد عام 1985 حين حاول التيار الإسلامي التصدي للشيوعية. ومن أهم الأحزاب التي ظهرت: حزب الدعوة الإسلامية الذي أسسه محمد باقر الصدر عام 1958 وضم قاعدة جماهيرية كبيرة في بغداد والنجف الأشرف وكربلاء، وينتمي غالب أعضائه إلى الفئات الوسطى والدنيا. ولم يلجأ الحزب الى المواجهة العنيفة إلا بعد سيطرة حزب البعث عام 1968; إذ عارض حزب الدعوة سياسات البعث، واستغل بعض المناسبات في التظاهر والاحتجاج كما حدث عام 1974، و1977 واشتبك أعضاؤه مع أجهزة الأمن. ونشط الحزب بعد قيام الثورة الإسلامية في ايران، وأصبح يمثل تهديداً حقيقياً لحكم البعث.

            وهناك أحزاب إسلامية أخرى منها: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، ومنظمة العمل الإسلامي. أما التنظيمات غير الشيعية فهي بالأساس جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير; الا إنها تعرضت لعدة انقسامات، وخرجت منها تشكيلات جديدة مثل الكتلة الإسلامية والحزب الإسلامي([27]).

 

13- فلسطين:

            افتتح الإخوان المسلمون شعبتهم الأولى في القدس عام 1946، وأسست وفودهم جماعات في عدد من الأماكن مثل يافا وغزة والرملة  ونابلس وخان يونس وبئر السبع والناصرة وعكا، وتجاوزت عشرين شعبة، واستمر قطاع غزة فترة طويلة تحت تأثير كبير من الإخوان المسلمين المصريين، أما الضفة الغربية فقد تشابكت علاقاتها مع إخوان الأردن.

            وعندما تأسست منظمة «فتح» كان من قيادتها عناصر كثيرة ذات ميول وارتباطات مع الإخوان المسلمين. ولكن الوضع اختلف بعد تمكن الصهيونية في المنطقة، واندلاع الثورة الإسلامية في ايران، وكان نتيجة ذلك ظهور مايسمى بالتنظيمات الجهادية.

            ويرى بعض المؤرخين أن «أسرة الجهاد» التي أسسها فريد أبو مخ بمعاونة عبد اللّه درويش هي أولى هذه التنظيمات. وقد قام بأول عملياته عام 1979، ولكن تم ضبطه عام 1981.

            وهناك تنظيم «سرايا الجهاد الإسلامي» الذي أعلن بعد عملية حائط المبكي في تشرين الأول 1986.

            ويوجد أفراد منظمون في حزب التحرير الإسلامي وجماعة التكثير والهجرة.

            وفي الساحة الآن تنظيمان أساسيان ظهرا في نهاية السبعينات هما: حركة الجهاد الإسلامي بقيادة فتحي الشقاقي الذي خلفه عبد اللّه رمضان. وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بزعامة الشيخ أحمد ياسين. وهما تمزجان بين الإسلام والوطنية، وتختاران العمل المسلح.

           

14- الكويت:

            لم تكن الكويت تسمح بتشكيل أحزاب او تكتلات سياسية. فقام التيار الإسلامي بإنشاء «جمعية الإصلاح الاجتماعي» عام 1962 واعتبرت امتداداً لجمعية الإرشاد الإسلامية التي قامت قبلها.

            وقامت الجمعية بإصدار الكتب والنشرات ومجلة «المجتمع»، وأنشأت مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ومراكز للشباب، وشكلت لجان الزكاة، واهتمت بالعمل الخيري. وأسست لجنة العالم الإسلامي عام 1982، ولجنة الدعوة الإسلامية عام 1984 .

            وظهرت مجموعات إسلامية عديدة بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991، من أهمها: «الحركة الدستورية الإسلامية» التي أعلنت رسمياً في 20 آذار 1991، وتهدف إلى غرس الإسلام في كافة جوانب الحياة والمحافظة على الدستور وتطبيقه، وتحقيق العدل في البلاد.

            وهناك «التجمع الإسلامي الشعبي» الذي يمثل الجماعة السلفية في الكويت، وقد شاركت في برلمان 1985، ونشطت اثناء الاحتلال العراقي في توزيع المؤن والأموال على الكويتيين، وادارة الجمعيات التعاونية، وهي تطالب بجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع، وتعديل القوانين المخالفة لها. وترفض استخدام العنف في مواجهة السلطة.

            أما التنظيم الآخر فهو «الائتلاف الإسلامي الوطني» الذي يضم الشيعة بوجه عام. وكانت الجمعية الاجتماعية الثقافية التي تأسست عام 1962 هي الإطار الذي يضم هذه المجموعة. وأبرز الشيعة نشاطهم السياسي بعد برلمان 1980، حيث أوصلوا ثلاثة مرشحين الى المجلس، وصار لهم وجود سياسي علني وشعبي. وضم التشكيل الوزاري في تشرين الأول 1992 اثنين منهم([28]).

 

15- لبنان:

            قامت في لبنان عدة جمعيات للحد من عمل المبشرين ونشاطهم في المجال الاجتماعي والصحة والتعليم، وأنشأت مدارس أهلية منفصلة عن الحكومة ومناهجها المقررة، منها: جمعية المقاصد الخيرية في بيروت التي أنشأت عدداً كبيراً من المدارس في بيروت وصيدا وكثير من القرى، كما أنشأت مشفى المقاصد في بيروت. والجمعية الخيرية الإسلامية واسعاف المحتاجين التي أسست دار التربية والتعليم وملجأ الأيتام والمعهد الديني الابتدائي ومدارس أخرى للبنات في طرابلس والقرى. وجمعية البر والاحسان التي افتتحت جامعة بيروت العربية. وجمعية التربية الإسلامية التي تأسست عام 1967 وتهدف الى فتح المدارس لتخريج جيل يؤمن باللّه، وافتتحت مدرسة الإبحاث النموذجية في طرابلس، وأخرى لتعليم القرآن في عطلة الصيف([29]).

            وظهر الإخوان المسلمون في  لبنان باسم «الجماعة الإسلامية» منذ عام 1964، ولكن هذه الحركة بقيت محدودة. وظهرت أيضاً حركة «حزب التحرير»، وظلت كذلك محدودة في تأثيرها وشعبيتها، ولم تشارك هاتان الحركتان عسكرياً في الحرب الأهلية التي أشتعلت عام 1975، لأن هدفهما اقامة الحكم الإسلامي، واعتبرتا القتال فيها خارج حدود الدعوة الشرعية.

            ولكن ظهرت مجموعات صغيرة ضمّت مقاتلين وكونت تنظيمات مثل «جند اللّه» و«شباب محمد» و«الجماعة الإسلامية». ثم ظهرت «حركة التوحيد الإسلامية» التي ضمت عدداً من التجمعات الإسلامية، ولكنها ظلت محصورة في طرابلس، وبرز قائدها سعيد شعبان خلال الحرب الأهلية، وكان يدعو إلى تأسيس حكومة إسلامية تطبق الشريعة. وهذه التنظيمات هي في الأساس من السنّة.

            أما الشيعة فقد ظهر فيهم حركة «أمل» و«حزب اللّه»، وأولاهما تدعو الى المحافظة على الكيان اللبناني، بينما تدعو الأخرى إلى إقامة حكم إسلامي قواته إيران. ثم انفصل التيار الديني في حركة «أمل» ليشكل «أمل الإسلامية» بقيادة حسين موسوي، وتعتبر نفسها جزءاً من حزب اللّه. وقد شارك حزب اللّه في انتخابات عام 1992، وفاز بثمانية مقاعد، بينما فازت الجماعة الإسلامية بثلاثة مقاعد، وجمعية المشاريع الخيرية (الاحباش) بمقعد واحد([30]).

           

16- جمهورية مصر العربية:

            كانت مصر مهد أول حركة إسلامية سياسية في القرن العشرين نتيجة لهيمنة القوى الأوربية منذ منتصف القرن التاسع عشر اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، ونتيجة لإلغاء الخلافة العثمانية عام 1924. وقد عقد مؤتمر في مصر في أيار 1926 لدراسة مسألة الخلافة، وكان الرأي السائد أن الخلافة المستجمعة لشروطها المبينة في تقرير اللجنة العلمية، والتي من أهمها الدفاع عن حوزة الدين في جميع بلاد المسلمين، وتنفيذ أحكام الشريعة الغراء فيها، لا يمكن تحققها في الحالة التي عليها المسلمون الآن.

            وظهرت حركة الإخوان المسلمين لسد الحاجة إلى نظام اجتماعي لا يقوم على تقليد الغرب، بل يستمد شرعيته من العودة إلى الإسلام، ولدفع خطر الإلحاد والعلمانية. ونشأت هذه الحركة في آذار 1928 كتنظيم أقرب إلى الجمعيات الأهلية والخيرية، وقد أعقبت جمعية الشبان المسلمين التي أسست في كانون الأول 1927، مقلدة جمعية الشبان المسيحيين التي انشطت في كانون الثاني 1923.

            وكانت مدينة الاسماعيلية مهد الحركة، حيث بدأ الشيخ حسن البنا دعوته في التجمعات البشرية خارج المساجد كالمقاهي وسرادقات المآتم. وسرعان ما انتشرت في كثير من المدن والبلدان المصرية، وتأسست فروع لها في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وجيبوتي. وتميزت بالمواقف السياسية المعادية للانكليز بعد ابرام معاهدة 1926، وحظيت بتأييد شعبي كبير لمناصرتها الثورة الفلسطينية في ذلك العام. وكان نشاطها الأساسي يتجلى في مقاومة التبشير المسيحي في مصر.

            واهتمت بنشاطات اجتماعية عديدة، وأقامت مشروعات كثيرة: فأسست في الاسماعيلية مسجد الإخوان وناديهم، ومعهد حراء لتعليم البنين، ومعهد أمهات المؤمنين لتعليم البنات، ومصانع للنسيج والسجاد في شعبهم المنتشرة في أنحاء القطر، وأسست عدة شركات مثل شركة الإخوان للغزل والنسيج وشركة المعاملات الإسلامية، وشركة الأشغال الهندسية في الاسكندرية، وشركة المطبعة الإسلامية، وشركة الاعلانات العربية، وأنشأت مدراس ومستشفيات ومستوصفات ونواد رياضية. وأصدرت مجلة أسبوعية وصحيفة يومية عام 1933، وصحيفتين أخريين هما «الخلود» و«النذير». وطالبت باصلاح الأزهر والمناهج التعليمية، ودعت إلى اعتبار التعليم الديني مادة أساسية في كل المدارس والجامعة، وطالبت بـإصلاح الحياة الاجتماعية للفلاحين. وشكّلت مجموعات من الفدائيين تحارب في فلسطين. وامتد نشاطها إلى فلسطين وسوريا والأردن والسودان وارتيريا ولبنان واليمن والمغرب، بفضل الطلاب الذين كانوا يوفدون إلى مصر ويعودون بأفكارها، حتى بلغت ايران وباكستان وأفغانستان.

            وهذا النشاط الكبير والسريع جعلهم في مواجهة بريطانيا والقوى السياسية الأخرى في مصر، مثل حزب الوفد ذي الصبغة العلمانية. والذي حظي بتأييد بريطانيا في بعض فترات التنافس.

            وصدر أمران بحل الجماعة: أولها في كانون الأول 1948 عقب اغتيال رئيس وزراء مصر النقراشي باشا. وثانيهما في كانون الأول 1954 بتوصية محكمة الشعب. وكانت أحداث 1965 قمة المواجهة بين الدولة والإخوان المسلمين، ولم يستطيعوا بعدئذ الحصول على الإعتراف بحزبهم بصورة رسمية.

            وشهدت مصر تنظيمات عديدة في السبعينات والثمانينات، بلغت عند بعض الباحثين نحو تسع وعشرين مجموعة منها:

            «جماعة شباب محمد» التي اشتهرت باسم «جماعة الفنية العسكرية» لأنها قادت هجوماً على الكلية الفنية العسكرية في نيسان 1974، حيث كان يعقد لقاء للقيادات السياسية بحضور الرئيس أنور السادات.

            وكان قائد هذه الجماعة هو صالح سوية المولود في حيفا عام 1992، وهو يقول بتكفير النظم السياسية القائمة بسبب تبعيتها للغرب.

            و«جماعة المسلمين» أو «التكفير والهجرة»، التي ظهرت لتواصل أفكار جماعية الفنية العسكرية، وشكلها شكري مصطفى المولود عام 1942، ويقول بتكفير المجتمع والدولة، ويعتبر كل المجتمعات الحالية جاهلية وكافرة. وركز على الهجرة للابتعاد عن المجتمع الكافر.

            ويعد تنظيم «الجهاد» حلقة من بقايا جماعة الفنية العسكرية، وأسسه سالم الرحال الأردني الجنسية في الاسكندرية. وشكل محمد عبد السلام فرج في القاهرة تنظيماً آخر بهذا الاسم. ثم توحد التنظيمان عام 1979 بقيادته، وانضم إليه الرائد عبود عبد اللطيف الزمر الذي وضع خطة للإطاحة بالنظام وإقامة الخلافة، وانتهى الأمر باغتيال السادات عام 1980. ونتيجة لذلك تعرضت الجماعة لضربة قوية.

            وتم اختيار الشيخ عمر عبد الرحمن لموقع قيادي في التنظيم، فحدث خلاف بينه وبين عبود الزمر، مما أدى إلى انشقاق في الجماعة: واحتفظت مجموعة الشيخ عمر باسم «الجماعة الإسلامية» وبقى عبود الزمر زعيماً لجماعة الجهاد([31]) .

 

17- المغرب العربي:

            تتميز الحركات الإسلامية السياسية في المغرب بضعفها، بسبب تبني السلطة الحاكمة نظام الإسلام في الإدارة والشؤون السياسية. وقد استطاع الملك كسب شرعية دينية بادماج بعض العلماء في السلك الوظيفي، ومنحهم وظائف استشارية في القصر تبعدهم عن الأحزاب. كما استطاع احتواء الطرق الصوفية.

            وشجع النظام قيام جماعات منظمة، وقد عدّ بعضهم في بداية الثمانينات أكثر من عشرين جمعية لا تخلو من طابع سياسي. وبعد احداث عام 1984 نشطت بعض المجموعات، ولكنها أجبرت على العمل السري، والتستر خلف واجهات ثقافية. ويقسم بعض الباحثين الجماعات الإسلامية هناك إلى ثلاث فئات:

            أ) الجماعات ذات الهدف الديني البحت مثل جماعة التبليغ والدعوة. وهي ذات أصل باكستاني، وقد ركزت نشاطها على التربية.

            ب) الجماعات التي ترتبط ببعض الأنظمة العربية المحافظة ارتباطاً وثيقاً.

            ج) الجماعات التي تأثرت بفكر الإخوان المسلمين في مصر، وتكونت من المثقفين، وتسمى السلفية الجديدة، وتهدف إلى استخدام الإسلام للحركة ضد النظام السياسي.

            ومن أشهر هذه الجماعات:

            جمعية الشبيبة الإسلامية التي ظهرت عام 1970 بزعامة عبد الكريم مطيع، وحصلت على ترخيص بممارسة نشاطها عام 1972، وتشكلت من المدرسين والطلاب، لمجابهة الفكر الماركسي وتنظيمات اليسار. ولكنها اتهمت بالعنف، وفرَّ زعيمها إلى الخارج، وتعرضت لانقسامات وانشقاقات. وفي نهاية السبعينات تأثرت بالثورة الإسلامية في ايران، فنادت باسقاط السلطة، وأصدرت صحيفة المجاهد في الخارج، وكانت توزع سراً على نطاق محدود في المغرب، وخاصة في الدار البيضاء.

            وقامت مجموعة جديدة باسم «الجماعة الإسلامية» وقبلت بها السلطة على الرغم من أنها لم تعترف بنشاطها رسمياً، وأصدرت صحيفة «الإصلاع» بإشراف عبد اللّه بن كيران. وفي عام 1992 غيرت الجماعة اسمها إلى «حركة الاصلاح والتجديد»، وأعلن زعيمها ابن كيران ان حركته علمية تقبل الحكم الملكي، وأن العدو الحقيقي لها هو العلمانية، وطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، وتنشط الحركة بين الطلاب الذين كوّنوا تنظيمهم الخاص باسم «الطلبة التجديديون»، ولها صحيفة نصف شهرية تسمى الراية.

            وهناك «جماعة العدل والإحسان» التي قامت في مدينة سلا المغربية عام 1974 بزعامة عبد السلام ياسين او تطورت إلى جماعة تربوية سياسية، وأصدرت «مجلة الجماعة». وهي تنتشر بين الطلاب والشباب في مدن عديدة، وفي عام 1991 ساهمت الجماعة بأعداد غفيرة في التظاهرة التي أيديت موقف العراق في حرب الخليج الثانية، وقد رفعت المصاحف أثناءها([32]).

 

18- اليمن:

            شهدت اليمن حلقات الإخوان المسلمين منذ منتصف الأربعينات، وقوي تأثيرهم مع اشتداء المعارضة على الإمام يحيى حميد الدين; وبدأت الحركة بنصح الإمام واقتراح بعض الإصلاحات، وكان فشل الانقلاب كارثة عليهم، وانقطعت حلقاتهم التنظيمية، ثم نشأت تنظيمها ذات طابع ديني، منها: الجمعية الإسلامية الكبرى عام 1949، وتكونت في عدن في الخمسينات نوادى رياضية بأسماء إسلامية مثل: نادي الاتحاد الإسلامي، ونادي الاتحاد المحمدي.

            ويرى بعض الباحثين أن الإخوان ظهروا مرة أخرى عندما قام محمد محمود الزبيري بتأسيس حزب الله عام 1965، وهناك من يرى أن هذا الحزب مستقل عنهم. وقد اغتيل الزبيري بعد ثلاثة اشهر من اطلاق الفكرة.

            ويعود تأسيس جماعة الإخوان المسلمين الحالية هناك إلى عام 1970، وتلك الجماعة مثّلت قوة مواجهة ضد القوى اليسارية والقومية التي شكلت الجبهة الوطنية. وسيطر الإخوان على المعاهد العلمية التي موّلتها السعودية، وعمل فيها معلمون من الإخوان في مصر والسودان وسوريا.

            وأخذ الاسم السياسي في اليمن شكل جبهة او تحالف بعد اعلان قيام الوحدة بين اليمن الشمالي والجنوبي في أيار 1990، وظهرت تنظيمات عديدة بلغت ستة وأربعين حزباً معترفاً بها رسمياً، منها:

            حزب التجمع اليمني للإصلاح، ورئيسه عبد اللّه الأحمر، وهو تحالف بين الإخوان وبعض القوى القبلية.

            وحزب الحق، ويعد من اكبر الأحزاب الدينية التي تأسست بعد الوحدة ويرتكز في محافظة صعدة، وقد حصل على مقعدين في انتخابات 1992. وقد أيد موسسه أحمد الشامي دستور دولة الوحدة، واعتبره موافقاً للإسلام، ويرى بعضهم أنه أقرب إلى إيران، بينما يعد التجمع اليمني للإصلاح أقرب الى السعودية.

            وهناك حزب العمل الإسلامي الذي أسسه ابراهيم بن محمد الوزير، وله صحيفة تسمى البلاغ.

            واتحاد القوى الشعبية الذي تأسس منذ مطلع الستينات، وصدر بيانه الأول في «تموز 1962، ودعا إلى قيام دولة إسلامية. ويهدف إلى تطبيق أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية([33]).

 

خاتمة:

            وهكذا نجد أن المسلمين في سائر أقطارهم أحسوا بالخطر المحدق بهم في هذا القرن نتيجة ضعفهم وتخلفهم وتفرقهم وسيطرة الدول الأوربية عليهم. وأدركوا أنه لانجاة لهم الا بالعودة إلى نظام الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة وأخلاقاً، وتحقيق وحدتهم على هذا الأساس المتين.

            وقد بذلوا جهوداً مضنية، وضحى كثير منهم بالنفس والمال للتحرر من المستعمر الغاشم ومقاومة الظلم والاستبداد والعمل بأحكام الإسلام. ولازال هذا الهدف بعيد المنال بسبب هيمنة القوى الاستعمارية وسعي الصليبية العالمية والصهيونية العالمية لاطفاء نور اللّه.

            وما على المسلمين إلا أن يضاعفوا جهودهم، ويواصلوا الجهاد ضد أعداءهم، ويصمموا على تحقيق وحدتهم بعد أن رأوا أوربا التي عانت من حروب طاحنة فيما بينها تقيم سوقاً اقتصادية وتصدر عملة موحدة، وتنشئ برلماناً واحداً، وتسعى الى الوحدة الكاملة، لكي تستطيع مجابهة الهيمنة الأمريكية. فما بال المسلمين الذين عاشوا أحقاباً طويلة في ظل راية واحدة لا يسعون إلى تحقيق الوحدة!

            وعليهم أن يستلهموا الدروس والعبر من الثورة الإسلامية في ايران التي أطاحت بأعظم الطغاة في هذا العصر، وتخلصت من النفوذ الأمريكي والتغلغل الاسرائيلي، ورفعت صوتها عالياً لدعوة المسلمين الى تحقيق الوحدة والعودة إلى أحكام دينهم:

            (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن اللّه يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون )([34])


 

[1]- محمد عابد الجابري / وجهة نظر نحو اعادة قضايا الفكر العربي المعاصر - ط 2 - بيروت مركز دراسات الوحدة العربية، 1994. ص 29 - 42 .

[2]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996 - ص 41 .

[3]- المصدر السابق - ص ج، د، 54، 62 .

[4]- خير الدين الزركلي / الأعلام. ط 2 (د. م: د.ن، د.ت) ج 7، ص 121 .

[5]- محمد البهي / الفكر الإسلامي الحديث. ص د. 42 - 43 - 84 - 117 .

[6]- محمد البهي / الفكر الإسلامي الحديث. ص 162 - 165 .

[7]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 25 - 26 .

[8]- محمد علي صناوي/ الطريق إلى حكم إسلامي - طرابلس (لبنان). (د.ن)، 1970 - ص 206 - 209 .

[9]- محمد البهي / الفكر الإسلامي الحديث، ص 84، الزركلي الأعلام ج 4 ص 60 .

[10]- محمد البهي/ الفكر الإسلامي الحديث. ص 85، ضناوي / الطريق إلى حكم إسلامي. ص 204 - 205 .

[11]- محمد البهي / الفكر الإسلامي الحديث. ص 42، 275 - 288 .

[12]- الزركلي الأعلام. - ج 2 ص 205 .

[13]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 12، 17 - 18 .

[14]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 25 - 26 .

[15]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية. ص 25، 41 - 42، 52 - 52 .

[16]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية. ص 79 - 81 .

[17]- محمد علي ضناوي / الطريق الى حكم إسلامي - ص 208، 242 - 248 .

[18]- محمد علي ضناوي / الطريق الى حكم إسلامي - ص 236 - 237.

[19]- محمد علي ضناوي / الطريق الى حكم إسلامي - ص 238 - 241  .

[20]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 94 .

[21]- محمد علي ضناوي / الطريق الى حكم إسلامي - ص 225 - 234.

[22]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 68 - 71، 233 - 237.

[23]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 72 - 76، 260 - 276.

[24]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 92 - 94 .

[25]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 65 - 67 - 283 - 284.

[26]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 77 - 79 .

[27]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 90 - 91  .

[28]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 91 - 92 .

[29]- محمد على ضناوي / الطريق الى حكم إسلامي - ص 209 - 210 .

[30]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 88 - 90 .

[31]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 54 - 65 .

[32]- حيدر ابراهيم علي/ التيارات الإسلامية - ص 85 - 88 .

[33]- حيدر ابراهيم علي / التيارات الإسلامية - ص 82 - 85 .

[34]- الأنفال / 24 .