الشهيد بهشتي رائد من رواد الوحدة الإسلامية
۱۴۰۰/۰۴/۱۳ ۱۵:۲۴ 189

الشهيد بهشتي رائد من رواد الوحدة الإسلامية

يعدّ الشهيد آية الله السيد محمّد حسين الحسيني البهشتي الفقيه والعارف والفيلسوف والمتكلم المبرز في عصرنا الحاضر من خيرة المفكرين الذين تبنوا مشروع التقريب والوحدة الإسلاميّة باعتباره ضرورة ملحة لا يمكن تجنبها، فكان الشهيد فقيهًا لامعًا متفتحًا بكل ما في الكلمة من معنى، وله مواقف خالدة في مواجهة التخلف الفكري السائد ومعالجته.
 

الشهيد بهشتي رائد من رواد الوحدة الإسلامية
 
ذكرنا في حديث سابق ما ارتكبه الإرهابيون من تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، مما أدّى إلى استشهاد محمد حسين بهشتي و72 من أنصار الإمام الخميني(رض) وبذلك سمّي يوم 28 من حزيران يوم السلطة القضائية.

ولئن مرّ اسم الشهيد بهشتي سريعًا في ذلك الحديث فإنه يجدر بنا أن نقف عند هذه الشخصية من منظار «التقريب بين المذاهب الإسلامية» و وحدة الأمة اﻻسلامية.

والشهيد آية الله الدكتور محمد حسين الحسيني البهشتي ولد عام 1928م في إصفهان وتخرج في جامعتها، ثم درس العلوم الإسلامية في الحوزة العلمية بمدينة قم، وواصل دراسته الجامعية في جامعة طهران حتى نال الدكتوراه في الشريعة الإسلامية.

أسطورة في شخصيته العلمية والثقافية والإدارية، كان عضوًا في مجلس قيادة الثورة الإسلامية ومؤسسًا للحزب الجمهوري الإسلامي بعد الانتصار، ثم تولى مهمة رئاسة المحكمة العليا للبلاد، واستُشهد – كما ذكرنا - في انفجار إرهابي لمقر الحزب الجمهوري الإسلامي عام (1981م) هو وأكثر من سبعين من شخصيات النظام الإسلامي الوليد.

يقول الشيخ المهاجري في مقدمة حديثه عن البهشتي:

إنّ  أكبر عقبة تحول دون تحقيق الوحدة الإسلاميّة هي: داء التخلّف الفكري الذي ابتُلي به بعض شخصيات مذاهبنا الإسلاميّة ، والذي أسفر عن وقوفهم بوجه أية محاولة للتقريب بين تلك المذاهب. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الداء الوبيل يمهّد الأرضية والظروف المناسبة لهجوم المعسكر الإلحادي على الإسلام، ويعبّد الطريق لسيطرة الاستعمار، وقد تلقى الإسلام أوجع الضربات من هذا الخلل الشنيع . وتأسيسًا على ذلك لابد من تركيز العمل الجاد لمعالجة هذا الداء وإزالة آثاره البالغة، والتوجه الجدي للقضاء على هذا الخطر المداهم.

ثم عن التوجه التقريبي للسيد بهشتي يقول:

يعدّ الشهيد آية الله السيد محمّد حسين الحسيني البهشتي الفقيه والعارف والفيلسوف والمتكلم المبرز في عصرنا الحاضر من خيرة المفكرين الذين تبنوا مشروع التقريب والوحدة الإسلاميّة  باعتباره ضرورة ملحة لا يمكن تجنبها، فكان الشهيد فقيهًا لامعًا متفتحًا بكل ما في الكلمة من معنى، وله مواقف خالدة في مواجهة التخلف الفكري السائد ومعالجته.

لم يكن الشهيد البهشتي ينظر إلى الوحدة الإسلاميّة  باعتبارها مصلحة تفرضها الظروف، بل كان يؤمن بها باعتبارها فريضة وضرورة ملحة لابد من تحقيقها . واستنادًا إلى هذا الإيمان الراسخ بهذه الضرورة نجده يقيم شبكة من العلاقات الودية الأخوية الواسعة مع أهل السنة، وكان يرى: أنّ  سر ديمومة الأمة الإسلاميّة  مرهون بإدامة هذه العلاقات، ولم يكن يعتبر ذلك تكتيكًا مرحليًا.

كان الشهيد كثير الاهتمام بالمبادئ الفكرية وآراء فقهاء الفريقين، ويعتبر هذا الاهتمام عاملاً أساسيًا في تحقيق التقريب، كما كان ذا اعتقاد راسخ بأن الكثير من الخلافات السائدة بين أتباع المذاهب الإسلاميّة  منشؤها جهلهم بوجهات نظر الآخرين على الأصعدة كافة، لهذا فإن حثّ طلبة العلوم الدينية والباحثين على التعرف على تعاليم ومعتقدات المذاهب الأخرى يعتبر من أهم أساليب ومتبنيات الشهيد البهشتي في محاضراته العلمية، بالإضافة إلى ذلك فإن الشهيد بالرغم من تمسكه الشديد بالقيم والمعتقدات الدينية والمعنوية كان مجردًا من التعصب الطائفي.

إذ كان ـــ رحمه الله ـــ كثير الالتزام بالأسلوب المنطقي لتلاقح الأفكار وإنارة الأذهان، حتّى لدى احتكاكه ومناقشاته مع الأعداء الحاقدين على الإسلام والمسلمين ؛ لأنه كان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن الأسلوب المنطقي المعقول هو الطريق الوحيد لإيصال الأفكار والمعتقدات، وفي هذا الإطار كانت لقاءاته بعلماء السنة وفقهائهم مفعمة بأجواء ودية وأخوية خالصة، وكان يولي هذا الأمر اهتمامًا بالغًا.

إنّ  اختيار الساحة الأوربية كميدان عمل مناسب من قبل الشهيد البهشتي كان اختيارًا موفقًا ومدروسًا ويدخل ضمن إطار انفتاحه الفكري، فقد بذل جهودًا حثيثة في تحقيق الوحدة بين المسلمين خلال الأعوام الخمسة التي أمضاها إمامًا للمركز الإسلامي في مدينة «هامبورغ» الألمانية (1961 م ـــــ 1966م) . وأهم إنجازٍ حققه الشهيد البهشتي في تلك الفترة هو ترسيخ فكرة أنّ الوحدة الإسلاميّة  هي العامل الوحيد الذي سيكفل المحافظة على بيضة الإسلام، وأن تحقيق هذه الوحدة أمر ممكن.
وأتذكر أني سمعت منه ذات مرة يقول: «عندما توجهت إلى أوربا بلغني أنّ  هناك مؤامرة فكرية حاكها المستشرقون الأوربيون تستهدف تفسيق الفريقين، ومن ثم تفسيق رجالات صدر الإسلام والصحابة الأجلاء ؛ ليتوصلوا بعد ذلك إلى أنّ  الشخص الذي يحيط به صحابة فاسقون غير جدير بأن يكون نبيًا مرسلاً، فكانوا ينكرون رسالة الرسول الكريم  (صلى الله عليه وآله) ويروجون لهذه الأفكار».

وأضاف الشهيد البهشتي قائلاً: «لقد عاهدت الله منذ ذلك التاريخ بأني سوف لا آلو جهدًا في التقريب بين المذاهب الإسلاميّة  حتّى إحباط هذه المؤامرة الدنيئة». وقد أوفى الشهيد بعهده الذي قطعه لله ونذر عمره الكريم في هذا الطريق المقدس.

وإضافة لجهوده الفكرية الحثيثة كان الشهيد ذا علاقات وطيدة وواسعة مع أهل السنة، والتزم بهذا الأسلوب في أوربا وإيران حتّى بلغ بالعناصر الحاقدة والمتخلفة فكريًا أن توجه إليه سيلاً من التهم الجائرة، فكان من الشهيد المظلوم أن يغض الطرف عن كلّ هذه التهم ويواصل الطريق الذي عاهد الله عليه .

قال السيد البهشتي في خطبة له يوم القدس: «إنّ  احتفالات يوم القدس هي في الحقيقة إحياء لا لتزامنا جميعًا نحن المسلمين تجاه تحرير القدس الأرض الربانية».

إنّ  المادة الحادية عشرة من دستور الجمهورية الإسلاميّة  التي تقول: استنادًا للآية الكريمة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92) على أنّ  المسلمين أمة واحدة، وعلى الجمهورية الإسلاميّة  أنّ  تبذل كلّ جهدها السياسي لتوحيد الشعوب الإسلاميّة  سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، جاءت في سياق أفكار الشهيد المظلوم في مجال الوحدة الإسلاميّة فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيًا.
 
                                                                                         
المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
الشؤون الدولية